تصحيحٌ واجب: ماذا ثبت في رحلة النبي ﷺ إلى الطائف؟

كتبتُ قبل أيام عن رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، واستحضرتُ الصورة المشهورة في كتب المواعظ والسيرة: أنه ﷺ خرج يدعو ثقيفا، فردّه سادتهم، وأغروا به سفهاءهم، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه، ثم عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، فرفض الانتقام وقال:

«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»…

وبنيتُ على هذه الصورة معانيَ في الرحمة، ورفض الانتقام، والنظر إلى ما يمكن أن يخرج من أصلاب المسيئين من أجيال صالحة…. والمعاني في ذاتها عظيمة، والرحمة النبوية ثابتة لا تحتاج إلى مبالغة لإثباتها؛ لكن الأمانة العلمية تقتضي أن أعود إلى النصوص، وأفرّق بين ما ثبت في الصحيح، وما ورد مرسلا في كتب السيرة، وما شاع على الألسنة حتى ظنه الناس في درجة واحدة من الثبوت…

وقد نبّهني أحد أبناء الطائف الكرام إلى أن حديث عائشة رضي الله عنها يتحدث في أصله عن أذى قريش، لا عن رمي ثقيف للنبي ﷺ بالحجارة. وبعد إعادة القراءة والمراجعة، وجدت أن ملاحظته في جوهرها صحيحة، وأن ما كتبته يحتاج إلى تصحيح صريح، لا إلى مكابرة ولا التفاف….

فالرجوع إلى الحق ليس هزيمة للكاتب، وإنما انتصار للحقيقة. والسيرة النبوية أجلّ من أن ندافع أمامها عن بلاغتنا على حساب دقة الرواية…

أولا: ما الذي ثبت في الصحيح؟

الثابت في صحيح البخاري ومسلم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم:

«هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟».

فقال ﷺ: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب…»…

ثم قال إن جبريل ناداه:

«إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم»….

وعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ:

«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»…

هذا الحديث صحيح لا نزاع في أصله، لكنه لا يذكر أن أهل الطائف رموه بالحجارة، ولا أن قدميه سال منهما الدم، ولا أن السفهاء اصطفوا على جانبي الطريق…

والأهم أن قوله ﷺ: «من قومك» خطاب لعائشة رضي الله عنها، وقومها قريش. وقد صرّح بعض شراح الحديث بأن المراد قريش….

كما أن «الأخشبين» هما جبلا مكة: أبو قبيس والجبل المقابل له، وبيّن ابن حجر أن المقصود بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة… شرح ابن حجر…

وهذا يعني أنني أخطأت حين قدّمت عرض ملك الجبال وكأنه كان عقوبة مقترحة لأهل الطائف تحديدًا، ثم جعلت قول النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم…» متعلقًا بثقيف على سبيل القطع.فالحديث يجمع بين ما لقيه النبي ﷺ من قريش وبين عرضه نفسه على ابن عبد ياليل، لكنه لا يمنحنا حق نقل الضمير في كل جمله إلى أهل الطائف بلا تحقيق، ولا أن نجعل الأخشبين جبلي الطائف وهما جبلا مكة..

ثانيا: هل ثبت أن النبي ﷺ ذهب إلى الطائف؟

نعم، أصل ذهابه وعرض نفسه على ابن عبد ياليل ثابت في الحديث الصحيح نفسه….فليس التصحيح إنكارا لرحلة الطائف، ولا إنكارا لرفض ابن عبد ياليل دعوة النبي ﷺ….. فالحديث ينص على قوله:

«إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت»….

والذي يحتاج إلى التصحيح ليس أصل الرحلة ولا حصول الرفض، وإنما التفاصيل التي أضفناها إلى الحديث الصحيح، ثم تعاملنا معها كلها كأنها وردت في إسناد واحد ودرجة واحدة…

ثبت أنه صلى الله عليه وسلم عرض نفسه فلم يُجب.

وثبت أنه انصرف مهموما.

لكن لم يثبت في الحديث الصحيح أنهم رجموه بالحجارة أو أدموا قدميه…

وتوضيح الفرق بين الأمرين واجب؛ لأن عدم ثبوت تفصيل لا يعني إنكار أصل الحادثة، كما أن ثبوت أصل الحادثة لا يجعل جميع ما أضيف إليها صحيحا تلقائيا…

ثالثا: من أين جاءت قصة السفهاء؟

ذكر محمد بن إسحاق في السيرة، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، أن النبي ﷺ لما انتهى إلى الطائف قصد ثلاثة من سادة ثقيف، فدعاهم إلى الله وطلب منهم النصرة، فردوا عليه ردودًا قاسية، ثم قال لهم — فيما ذُكر — أن يكتموا خبره حتى لا تُجرّأ عليه قريش.وجاء في الرواية:

«فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة… ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه»….

فأصل تسليط السفهاء، والسب والصياح، وإلجائه إلى البستان، موجود في رواية ابن إسحاق التي نقلها ابن هشام… نص رواية ابن هشام…

لكن هذه الرواية مُرسلة؛ لأن محمد بن كعب القرظي تابعي لم يشهد الواقعة، ولم يذكر الصحابي الذي نقلها عنه….

وقد قيل إن سند ابن إسحاق إلى محمد بن كعب صحيح، لكن الخبر يبقى مرسلا، ولذلك لا يكون في قوة الحديث المتصل المروي في الصحيحين.

وهنا كان يلزمني أن أقول: «روى ابن إسحاق في السيرة»، أو «جاء في رواية مرسلة»، لا أن أسرد التفاصيل بصيغة الجزم كأنها منصوصة في صحيح البخاري ومسلم…

رابعا: هل ذكر ابن هشام رمي الحجارة وإدماء القدمين؟

هذه أهم نقطة في التصحيح:

النص الذي أورده ابن هشام عن ابن إسحاق يقول إنهم كانوا يسبونه ويصيحون به، وإنهم اجتمعوا عليه وألجؤوه إلى البستان.

لكنه لا يقول في هذا الموضع إنهم رموه بالحجارة، ولا يذكر أن قدميه الشريفتين أُدميتا، ولا أن نعليه امتلأتا بالدم.هذه الصورة شاعت في كثير من الكتب والمواعظ والخطب، وتناقلها اللاحقون حتى صارت في الذاكرة العامة جزءا ثابتا من المشهد؛ لكن الشهرة ليست وحدها حكما على صحة الرواية.

ولذلك فإن العبارة المنضبطة هي: ما ورد في رواية ابن إسحاق المرسلة أن سادة ثقيف أغروا به سفهاءهم، فسبّوه وصاحوا به وألجؤوه إلى بستان؛ أما رميه بالحجارة حتى إدماء قدميه فلا أجده ثابتا في الحديث الصحيح، ولا مصرحا به في نص ابن هشام المذكور.

ولا يعني هذا القطع بأن الرمي لم يقع تاريخيا؛ فالقاعدة العلمية تفرق بين قولنا: «لم يقع»، وقولنا: «لم يثبت لدينا بإسناد تقوم به الحجة».

الأول نفي للتاريخ، والثاني بيان لحدود الدليل….

وما أملكه هنا هو الثاني: لا أستطيع أن أجزم بالرمي وإدماء القدمين جزما دينيا وتاريخيا، ولذلك أصحح ما كتبته سابقا.

خامسا: ماذا عن قصة عدّاس والعنب؟

قصة عدّاس واردة ضمن السياق نفسه عند ابن إسحاق: لما رأى عتبة وشيبة ما لقيه النبي ﷺ تحركت لهما رحمُهما، فأرسلا غلامهما عدّاسًا بقطف من العنب. فلما بدأ النبي ﷺ باسم الله، سأله عدّاس، ثم دار بينهما الحديث المعروف عن نينوى ويونس بن متى عليه السلام.

لكن قصة عدّاس ليست حديثا مستقلا في الصحيحين، بل جزء من رواية السيرة المرسلة نفسها.

ولهذا فلا يصح أن نجعل جلوس النبي ﷺ مع عدّاس وأكله العنب دليلا قاطعا على عدم حصول أذى قبله؛ لأن رواية ابن إسحاق نفسها ترتب الأمرين:

تذكر الأذى أولًا، ثم اللجوء إلى البستان، ثم مجيء عدّاس بالعنب…

وفي الوقت ذاته لا يصح أن نستدل بقصة عدّاس وكأنها صحيحة الإسناد، ثم نرفض الجزء السابق من السياق نفسه لأنه لا يوافق ما نريد.

**الأمانة ياقوم تقتضي أن نضع الرواية كلها في درجتها:

قصة من السيرة مشهورة، سندها إلى التابعي صحيح، لكنها مرسلة وليست في رتبة الحديث المتصل الصحيح.

فوجود العنب لا يثبت الرجم، ولا ينفيه.

ولقاء عدّاس لا يتناقض من حيث التسلسل مع تعرض النبي ﷺ للسب والصياح، لكنه لا يرفع الرواية المرسلة إلى درجة الصحيح.

سادسًا: ماذا عن الدعاء المشهور؟

يُروى أن النبي ﷺ لما لجأ إلى البستان قال:

«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس… إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي…»….

وهو دعاء عظيم المعنى، رقيق الألفاظ، واسع الشهرة، لكنه لم يرد بهذا السياق في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها…..

وقد ذكر ابن إسحاق بعضه بصيغة: «فيما ذُكر لي»، وهي صيغة لا تسند الخبر إلى راوٍ معين.

ورُوي من طرق أخرى لا تخلو من ضعف. ولذلك لا يصح أن ننسبه إلى النبي ﷺ بدرجة الجزم التي ننسب بها ما في الصحيحين.

يمكن ذكره بعبارة: «يُروى» أو «جاء في كتب السيرة»، مع عدم القطع بثبوته.والدعاء لا يصبح صحيح الإسناد لمجرد أن معناه جميل، كما أن ضعف إسناده لا يعني أن معانيه فاسدة.

فصحة المعنى شيء، وثبوت نسبته إلى النبي ﷺ شيء آخر.

سابعا: هل «غضب» النبي ﷺ على قريش؟

قلت في النقاش إن غضب النبي ﷺ كان على قريش لا على ثقيف…

لكن بعد مراجعة لفظ الحديث، وجدت أن التعبير الأدق هو ألا ننسب إليه لفظا لم يرد في النص.

الحديث يقول:

«فانطلقت وأنا مهموم على وجهي»…. فالثابت هو الهم والألم وما لقيه من شدة، لا لفظ الغضب….

كما أن رده على ملك الجبال لم يكن رد الغاضب الباحث عن الانتقام، بل رجاء النبوة البعيد:

«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»..

ولا شك أن النبي ﷺ أوذي من قريش إيذاء ثابتا متواتر المعنى: كُذّب، وسُخر منه، وحُوصر، وألقي عليه سلا الجزور، وأوذي أصحابه، واضطر بعضهم إلى الهجرة.

لكن حين نكتب عن واقعة معينة، لا ينبغي أن نستبدل ألفاظنا العاطفية بألفاظ الرواية….

إذن فالتصحيح هنا مزدوج: لا أنسب عرض الأخشبين إلى ثقيف على سبيل الجزم، ولا أصف حال النبي ﷺ بالغضب بينما النص وصفه بالهم…

ثامنا: هل كان قول «بل أرجو…» في أهل الطائف؟

في المقالة السابقة جعلت قول النبي ﷺ:

«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده…»… دعاء أو رجاء خاصا بأهل الطائف، ثم قلت إن أهل الطائف الذين أسلموا لاحقا كانوا ثمرة مباشرة لهذا الرجاء…..

وهذا الربط مؤثر أدبيا، لكنه ليس دقيقا علميا بالدرجة التي عرضته بها….

فالحديث يتحدث عن «قومك» يا عائشة — أي قريش بحسب شرح طائفة من العلماء — وملك الجبال عرض إطباق جبلي مكة….

لذلك لا يحق لي أن أحصر ضمير «من أصلابهم» في ثقيف، ثم أبني عليه يقينا بأن إسلام أهل الطائف هو المقصود المحدد في الحديث….

نعم، أسلمت ثقيف لاحقا، وصارت الطائف بلدا من بلاد الإسلام، وخرج من أهلها العلماء والصالحون….

لكن لا أجعل هذا وحده تفسيرا قطعيا لضمير الحديث…

**جمال النتيجة لا يمنحنا حق تجاوز دلالة النص **

تاسعا: لماذا شاع مشهد الحجارة؟

السيرة في الوجدان الإسلامي لم تنتقل دائما من خلال كتب التحقيق والأسانيد، بل انتقلت كذلك عبر المنابر والقصص والمواعظ والمناهج المدرسية والبرامج الدينية.

ومع التكرار تندمج الروايات المتفاوتة في القوة داخل مشهد واحد، ثم تُضاف إليها تفاصيل تصويرية تجعلها أشد تأثيرا:

صفان من السفهاء، حجارة تنهال، قدَمان تنزفان، نعلان يمتلئان بالدم، زيد بن حارثة يحاول حمايته، ثم البستان والدعاء وعدّاس وملك الجبال….

وقد تكون بعض هذه التفاصيل واردة في كتب متأخرة أو في طرق ضعيفة، وبعضها مستفادا من الجمع بين روايات، وبعضها من التوسع الوعظي…

ثم يُروى المشهد كاملا من غير بيان درجات أجزائه، فيظن السامع أنه حديث واحد في صحيح البخاري…..

وهذه ليست مشكلة خاصة برحلة الطائف؛ بل منهج يحتاج إلى مراجعة في عرض السيرة عموما…..

فالسيرة أوسع من كتب الحديث، ويتسامح بعض أهل العلم في أخبار المغازي والسير ما لا يتسامحون فيه في العقائد والأحكام، لكن هذا لا يعني إلغاء الفروق بين الصحيح والمرسل والضعيف وما لا أصل له….

يجوز للواعظ أن يستأنس بما لا يشتد ضعفه وفق ضوابط أهل العلم، لكن لا يجوز أن يسوي بينه وبين الصحيح، أو يقول: «ثبت» حيث لا يثبت…

عاشرا: الطائف لا تحمل وزر أجيال مضت…

حتى لو ثبت كل ما اشتهر في الروايات، لم يكن من العدل أن نحول الواقعة إلى إدانة وراثية للطائف وأهلها اليوم….

قال الله تعالى:﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾….

لا يحمل أحفاد قريش أوزار من آذى النبي ﷺ من قريش، ولا يحمل أبناء الطائف تبعة ما نُسب إلى بعض سادة ثقيف وسفهائها قبل أربعة عشر قرنا…

الإسلام لا يعرف الجريمة الموروثة، ولا يجعل الجغرافيا مذنبة إلى الأبد…

وفضائل المدن وأخطاؤها لا تنتقل في الدم، وإنما كل إنسان محاسب على عمله….

والطائف مدينة إسلامية عريقة، وأهلها جزء كريم من تاريخ الجزيرة والأمة. ..

والإنصاف لها لا يتطلب إنكار ما ثبت، كما أن محبة السيرة لا تبيح نسبة ما لم يثبت إليها….

لا يجوز أن تدفعنا العصبية للمدينة إلى تكذيب كل رواية، ولا أن تدفعنا حرارة الموعظة إلى اتهام أهلها بما لا يقوم عليه دليل صحيح…

بين العصبيتين تقف الأمانة….

لماذا أنشر هذا التصحيح؟

أنشره لأنني كتبت الكلام الأول على الملأ، وما نُشر على الملأ ينبغي أن يُصحح على الملأ….

وأنشره لأن القارئ الذي نبّهني لم يكن خصما ينبغي الانتصار عليه، بل كان سببا في العودة إلى النص والتدقيق في دلالته…

ورب اعتراض حاد يحمل في داخله حقيقة تستحق أن ننقذها من حدة عبارته….

وأنشره لأن الكاتب قد يقع في أسر نصه؛ يحب بلاغته، ويخشى أن يهدم التصحيح بناءه العاطفي…

لكن الحقيقة لا ينبغي أن تدفع ثمن جمال العبارة…

قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾…

والقول السديد ليس القول المؤثر فقط، بل المستقيم الذي يصيب موضعه…

ورب عبارة أقل شاعرية تكون عند الله أصدق من قصة شديدة التأثير بُنيت على تفاصيل غير محررة….

وقال سبحانه:﴿فَتَبَيَّنُوا﴾….

والتبين ليس واجبا قبل النشر وحده؛ بل واجب بعده أيضا إذا ظهر للكاتب ما فاته….

فمن عرف خطأه ثم أبقاه خشية الحرج، قدّم صورته أمام الناس على أمانته أمام الله…..

ما الصيغة الصحيحة التي أتبناها الآن؟

بعد المراجعة، أقول واعذروني على الإطالة :

ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعرض دعوته ويطلب النصرة، وعرض نفسه على ابن عبد ياليل فلم يُجبه، ثم انصرف مهموما، وهذا ثابت في الحديث الصحيح….

وثبت في الحديث نفسه أنه ذكر لعائشة رضي الله عنها ما لقي من قومها قريش، وأن ملك الجبال عرض عليه إطباق الأخشبين — وهما جبلا مكة — فاختار الرحمة ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده….

أما ما يتعلق بتفاصيل موقف ثقيف، فقد روى ابن إسحاق مرسلا أن بعض سادتها ردوا عليه ردا قاسيا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى ألجؤوه إلى بستان عتبة وشيبة.

وأما رميه بالحجارة حتى إدماء قدميه، فلا أجزم به؛ لأنه ليس مذكورا في الحديث الصحيح، ولا مصرحا به في نص ابن هشام الذي راجعته.

وقصة عدّاس والدعاء المشهور وردت في أخبار السيرة، لكنها ليست في درجة الحديث الصحيح المتصل، فتُذكر بصيغة تراعي مرتبتها.

كما أنني لا أجعل قول النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم…» خاصا بأهل الطائف على سبيل القطع، ولا أنسب إليه غضبا لم ينص عليه الحديث؛ بل الثابت أنه كان مهموما، وأنه اختار الرجاء والرحمة بدل الانتقام.

هذه هي الصيغة التي أراها الآن أقرب إلى الإنصاف والدقة…

السيرة لا تحتاج إلى أن نزيدها ألما كي نحب صاحبها…

لا يحتاج مقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى قصة غير ثابتة كي ندرك عظمة صبره، ولا تحتاج رحمته إلى دماء تملأ نعليه كي نؤمن بسعتها…

يكفينا ما صحّ وثبت ..

يكفينا أنه عانى من قومه، ثم لم يطلب استئصالهم.

ويكفينا أنه وجد أبواب الأرض تُغلق، فلم يسئ الظن برب السماء.

ويكفينا أنه كان قادرا على طلب الانتقام، فاختار أن يراهن على أجيال لم تولد بعد…

إن أعظم ما في سيرته ﷺ ليس كثرة الآلام التي نستطيع إضافتها إلى المشهد، بل صدق ما ثبت منها، والطريقة التي قابل بها الأذى من غير أن يتحول إلى نسخة من مؤذيه.

ولهذا أصحح ما كتبت، وأعتذر عن الخلط بين درجات الروايات، وعن نسبة رمي الحجارة وإدماء القدمين إلى أهل الطائف بصيغة الجزم، وعن جعل حديث الأخشبين خاصا بثقيف من غير تدقيق كافٍ.

وأشكر من نبّهني؛ فقد تكون العبارة قاسية، لكن الحقيقة التي دلّت عليها جديرة بأن تُقبل.

فمحبتنا للنبي ﷺ لا تُقاس بقدرتنا على كتابة أكثر المشاهد إيلاما عنه، بل بقدرتنا على تحري الصدق فيما ننسبه إليه.

والسيرة ليست مادة لتغليب مدينة على مدينة، ولا قبيلة على قبيلة، ولا كاتب على معترض؛ إنها أمانة.

ومن حق رسول الله ﷺ علينا أن نروي عنه ما ثبت، وأن نميّز ما لم يثبت، وأن نقول حين نخطئ:أخطأنا، وهذا هو الصواب الذي انتهينا إليه.

والله من وراء القصد ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل أنا نسوية ؟

لا والله بل ضد النسوية… ويمكن للمرأة أن تكون ضد النسوية بوصفها منظومة أيديولوجية، وأن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *