القيود الظاهرة توقظ في النفس غريزة المقاومة، أما القيود التي تُصنع من الطمع والخوف فقد تجعل المقيّد يدافع عن قيده، ويكره من يحاول تحريره، ويحسب الطريق الذي اختير له طريقه، والغاية التي رُسمت له غايته….
ومن هنا جاءت صورة «الجزرة والعصا»:
– جزرةٌ أمام الدابة تستثير شهوتها فتجعلها تسير ..
– وعصًا خلفها توقظ خوفها إن توقفت….
وبين طمعٍ يدفعها من الأمام، وألمٍ يطاردها من الخلف، تنسى الدابة أن تسأل السؤال الأهم:
إلى أين يأخذونني؟
والتعبير في صورته الحديثة يرجع إلى رسومات وروايات مطبوعة في القرن التاسع عشر، منها وصفٌ لسباق حمير سنة 1849:
أحد الراكبين يضرب دابته، والآخر يعلّق أمامها حزمة جزر تبقى أبعد قليلا من فمها، فتجري وراء ما لا تصل إليه….
ثم أصبح التعبير رمزا سياسيا واقتصاديا لإدارة الناس بمزيج من المكافأة والعقاب..
تاريخ الاستعارة، أصل التعبيرلكن أهمية الصورة ليست في تاريخها، بل في استمرارها…
لقد تغيرت الدواب، وتطورت العربات، واختفت الطرق القديمة؛ لكن الجزرة والعصا لم تختفيا….
صارت الجزرة راتبا أو منصبا أو شهرة أو قبولا اجتماعيا أو وعدا بالترقية، وصارت العصا فصلا من العمل أو تشهيرا أو تهميشا أو حصارا أو خوفا من الوحدة والفقر والسجن….
ولم يعد حامل الجزرة مضطرا إلى الوقوف أمامك؛ فقد يحملها هاتفك، أو مديرك، أو حزبك، أو جماعتك، أو شريكك العاطفي، أو المنصّة التي تعرف نقاط ضعفك أكثر مما تعرفها أنت…..
ليس السؤال: هل حصلت على الجزرة؟ بل: من اختار لك الطريق؟
قد يقضي الإنسان عمره مشغولا بالسؤال: متى أصل إلى الجزرة؟
بينما السؤال الذي كان ينبغي أن يطرحه منذ البداية هو:
لماذا أسير في هذا الطريق أصلا؟
من الذي اختار وجهته؟
ومن الذي ربط المكافأة بنهايته؟
ومن الذي أقنعني بأن وصولي إليها نجاح، ولو خسرت في الطريق ضميري وكرامتي ونفسي؟
إن أكبر انتصار يحققه المُتلاعب بك ليس أن يمنعك من الوصول إلى الجزرة، بل أن يجعلك تقيس قيمتك كلها بمقدار قربك منها….
فإذا اقتربت منها شعرت أنك ناجح، وإذا ابتعدت عنها شعرت أنك فاشل، مع أن الجزرة ليست معيارا لقيمتك، والطريق ليس بالضرورة طريقك، واليد التي تلوّح بها أمامك قد لا تريد خيرك، بل تريد حركتك…..
هنا يصبح الإنسان أسيرا حتى لو نال مكافأته؛ لأن المشكلة لم تكن في الحرمان منها، بل في تسليمه حق تحديد رغباته لشخص آخر….
فبعض الجزر لا تُمنح لتشبعك، بل لتُبقيك جائعا…
يعطيك المُتحكّم القليل كي تتأكد أن الكثير ممكن، ثم يحجبه عنك كي تبقى مطيعا. يمنحك ابتسامة بعد أيام من التجاهل، ومديحا بعد أسابيع من الإهانة، وترقية بعد سنوات من الاستغلال، وامتيازا صغيرا بعد تنازلات كبيرة؛ فتظن أن النظام أنصفك، بينما تكون المكافأة نفسها جزءًا من آلية إخضاعك…..
إنه لا يريدك محروما تماما؛ لأن المحروم تماما قد ييأس فيغادر أو يثور…
ولا يريدك مُشبعا أو مُكتفيا او ممتلئا؛ لأن الشبعان قد يستغني..
يريدك في المسافة الأكثر قابلية للسيطرة: لا أنت محروم فتنسحب، ولا أنت مكتفٍ فتستقل؛ بل جائع بالقدر الذي يبقيك تابعا…..
في علم السلوك، يكون التعزيز المتقطع — أي المكافأة التي تأتي بصورة غير منتظمة وغير متوقعة — شديد القدرة على تثبيت السلوك؛ لأن الإنسان لا يعرف متى تأتي المكافأة التالية، فيكرر المحاولة مرات أكثر…. وهذا ما يجعل بعض العلاقات المؤذية شديدة التعلق…
يهينك شخص أياما، ثم يمنحك لحظة حنان استثنائية؛ فتنسى أيام الإهانة وتتعلق بلحظة الحنان…..
يحرمك من الاهتمام، ثم يعطيك جرعة صغيرة منه؛ فتشعر أن الجائزة ثمينة لا لأنها عظيمة، بل لأنها جاءت بعد حرمان طويل….. لا تعود تسأل: هل هذه علاقة كريمة؟ بل تسأل: متى يعود إلى صورته الجميلة؟
وهكذا تتحول حياتك إلى انتظار للجزرة التالية…..
في بيئة العمل قد يُرهَق الموظف، وتُهدر كرامته، ويُحمّل ما لا يحتمل، ثم يُعطى وعدا غامضا بترقية قريبة؛ فيؤجل اعتراضه ويقدم تنازلا جديدا…
فإذا طالب بحقه لُوّحت أمامه العصا:
هناك مئات ينتظرون مكانك….
وفي الجماعات المغلقة يُمنح الفرد شعورا بأنه من «الخاصة» ما دام مطيعا، فإذا سأل أو اعترض هُدد بالطرد والتخوين والعزلة…..
هنا تكون الجزرة هي الانتماء، والعصا هي النبذ…
وفي السياسة قد يُمنح الناس امتيازا محدودا مقابل صمت طويل، أو تُطلق وعود الإصلاح كلما اقترب الغضب من الانفجار، ثم تُسحب الوعود بعد أن يهدأ الشارع. فالغاية ليست دائما إنجاز الإصلاح، بل إدارة الأمل بحيث يبقى كافيا لتأجيل الرفض….
وفي العالم الرقمي، لا تحتاج المنصة إلى ضربك؛ يكفي أن تمنحك إعجابا، ثم تحجبه، ثم تمنحك انتشارا مفاجئا، فتقضي يومك تفتش عن الصيغة التي ترضي الخوارزمية.
تبدأ باستخدام المنصة، ثم تنتهي المنصة باستخدامك….. كنت تكتب ما تؤمن به، ثم صرت تؤمن بما يرفع التفاعل، أو على الأقل تتظاهر بالإيمان به…..
ويصبح الإعجاب جزرة، والتجاهل عصًا، والجمهور سيدًا متقلب المزاج….
من أعمق التعبيرات القرآنية في تحليل صناعة الاستبداد قول الله تعالى عن فرعون:﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾….
لم يقل فقط: قهرهم فأطاعوه، بل قال: استخف قومه؛ أي استهان بعقولهم، واستثار خفتهم، وأفرغهم من ثقل الوعي حتى أصبحوا قابلين للقيادة…..
فالطغيان لا يبدأ دائما بإكراه الجسد، بل قد يبدأ باستخفاف العقل…. وحين ينجح المستبد في إقناع الناس ألا يفكروا إلا بما يمنحهم وما يمنعه عنهم، يكون قد حوّلهم من مواطنين يسألون عن الحق والعدل إلى طالبي حصص ينتظر كل واحد منهم جزرته الخاصة…..
وكانت هندسة فرعون تقوم كذلك على تقسيم المجتمع:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾….
فالسلطة المتلاعبة لا تكتفي بالجزرة والعصا، بل توزع الجزر بدرجات مختلفة حتى يتنافس الخاضعون فيما بينهم بدل أن يسألوا عن اليد التي تتحكم بالجميع….
تعطي بعضهم مالا، وبعضهم منصبا، وبعضهم شهرة، وبعضهم قربا رمزيا، وبعضهم مجرد وهم أنه أعلى من غيره…..
ثم تجعل كل طبقة تخاف فقدان امتيازها، فتدافع عن البناء الذي يستعبدها؛ لأن لها فيه موقعا صغيرا فوق شخص آخر…..
وقد لخّص الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لا بويسي هذا المعنى في «مقالة العبودية المختارة» حين تساءل كيف تقبل مدن وشعوب كاملة الخضوع لطاغية لا يملك من القوة إلا ما يعطونه هم…..
ورأى أن الاستبداد لا يقوم على رجل واحد، بل على شبكة من المنافع: بضعة مستفيدين حول الحاكم، وتحتهم مئات، ثم آلاف؛ يأخذ كل واحد منهم مكافأة صغيرة من النظام فيصبح حارسا للسلسلة التي تقيده…..
وكتب عن وسائل الإلهاء القديمة:
«المسارح والألعاب والفرجات… كانت طُعوم العبودية، والثمن الذي تُباع به الحرية، وأدوات الطغيان التي تُنوَّم بها الشعوب»…..
لم يكن الناس يحصلون على كل شيء، بل كانوا يُعطون ما يكفي لكي ينسوا ما سُلب منهم…..
دراسة عن العبودية المختارة وما أكثر ما تُعاد الحيلة اليوم:
– تُسلب الحقوق الكبرى
– ثم تُوزع الامتيازات الصغيرة ويُطلب من الناس أن يشكروا….
– يُؤخذ منهم الطريق كله، ثم تُعطى لهم جزرة ويقال: انظروا إلى الكرم!
ليس كل أخذ للمكافأة فسادا، ولا كل خوف من العقوبة جبنا….
فالراتب مقابل العمل حق، والترقية بسبب الكفاءة عدل، والثواب على الإحسان مشروع، والعقوبة القانونية العادلة ضرورة لحماية المجتمع…
المشكلة تبدأ حين لا يكون المطلوب منك عملا مشروعا، بل التنازل عن شيء لا يملكه المانح كي يشتريه منك: ضميرك، شهادتك، موقفك، كرامتك، أمانتك، أو حق إنسان آخر…..
هناك أشياء يجوز أن تفاوض عليها: الأجر، الوقت، طبيعة المهمة….
وهناك أشياء إذا وضعتها على طاولة المساومة خسرتها قبل أن تحدد ثمنها…
فالصدق الذي يُباع مرة يصبح قابلا للبيع كل مرة، والضمير الذي يقبل أول رشوة لا يبقى هو الذي كان قبلها…
قد يزيد رصيد صاحبه المالي، لكنه يفقد القدرة على احترام نفسه من دون اختراع الأكاذيب….
ولهذا عبّر القرآن عن استبدال الحق بالمصلحة بتعبير التجارة الخاسرة:
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وسمّاه ثمنا قليلا، لا لأن المبلغ في ذاته قليل بالضرورة، بل لأن كل ما يؤخذ مقابل الحق قليل، ولو كان ملكا كاملا.
فما قيمة ما تربحه إذا كانت كلفته أن تصبح شخصا لا تثق بشهادته، ولا تطمئن إلى مواقفه، ولا تعرف هل يتكلم بما يؤمن أم بما يُدفع له؟
قد يظن من باع موقفه أنه حصل على الجزرة، لكنه لم ينتبه إلى أن مانحها حصل في المقابل على شيء أكبر:
حصل على حق قيادته.ومن يكتشف الناس أن له سعرا، لن يعود السؤال لديهم: هل يمكن شراؤه؟ بل: كم يبلغ ثمنه؟
أخطر المستفيدين ليس من يقبض الثمن ويصمت، بل من يقبضه ثم يتحول إلى داعية للطريق الذي اشتراه…..
فقد يكون الإنسان في البداية مدركا أنه يتنازل، لكنه مع الوقت يصبح أكثر شراسة في الدفاع عن المتحكم به؛ لأن اعترافه بفساد الطريق يعني اعترافه بأنه باع نفسه بثمن قليل.
ولهذا يهاجم من رفضوا البيع، لا لأنهم أضروا به، بل لأن وجودهم يفضحه أمام نفسه….
الشخص الحر يُذكّر التابع بإمكان الرفض.
والنزيه يذكّر المرتشي بأن البيع لم يكن ضرورة.
والشجاع يذكّر الصامت بأن الخوف لم يكن قدرا.
ومن هنا تتحول النماذج المستقلة إلى خطر على كل منظومة تقوم على الجزر والعصي….
لذلك لا تكتفي المنظومة بإغراء الرافض، بل تحاول تشويه سمعته.
فإن لم يأخذ الجزرة قيل إنه حاقد لأنه لم يحصل عليها، وإن لم يخف العصا قيل إنه متهور، وإن غادر الطريق قيل إنه خائن، وإن كشف اللعبة قيل إنه يهدد الاستقرار العام…
إنهم لا يريدون منك أن تطيع فحسب؛ بل يريدونك أن تسمي الطاعة حكمة، والبيع مرونة، والخوف مسؤولية، والسكوت وطنية، ثم تشارك في ضرب كل من لم يلحق بالقافلة…
جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان، لا ليحوّله إلى متمرد على كل نظام ولا إلى تابع لكل صاحب قوة.
فالشريعة تقيم توازنا واضحا بين الانضباط والضمير: طاعة في المعروف، ورفض للمعصية والظلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الطاعة في المعروف».
فلا منصب يمنح صاحبه حق تعطيل الضمير، ولا جماعة تملك أن تفرض على الفرد الكذب والظلم، ولا رئيس ولا شيخ ولا أب ولا زوج يُطاع في معصية الله….
ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم قول الحق في حضرة القوة من أعظم الجهاد فقال:«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»،
وهو حديث صحيح.
– لماذا كانت كلمة الحق عظيمة في هذا الموضع؟
– لأنها تُقال حين تكون العصا حاضرة، والجزرة ممكنة. أما قول الحق حين لا يكلّف شيئا فقد يكون مجرد رأي، لكن قوله حين تستطيع أن تربح بصمتك وتخسر بكلامك هو الذي يكشف سيادة المبدأ على المنفعة….
ليس صاحب المبدأ من يرفض كل المكاسب، بل من يعرف أي مكسب يحل له، وأي مكسب سيملكه بدل أن يملكه….
طيب … هل الوعد بالجنة والوعيد بالنار «جزرة وعصا»؟!
قد يحاول بعضهم إسقاط الاستعارة على الدين فيقول: أليست الجنة مكافأة والنار عقوبة؟
والجواب أن التشابه في وجود الترغيب والترهيب لا يعني التماثل في الطبيعة والغاية….
الجزرة المتلاعبة تُخفى بها الوجهة الحقيقية، أو يُكذب بها على الإنسان، أو تُستغل حاجته لإجباره على خدمة مصلحة المُتحكّم الدنيوي…
أما الوعد الإلهي فليس خداعا ولا منفعة تعود على الله؛ فالله غني عن العالمين، والطاعة لا تزيد في ملكه، والمعصية لا تنقص منه سبحانه….
كما أن الشريعة لا تطلب من الإنسان تعطيل عقله، بل تكرر: أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، لعلهم يتدبرون..
ولا تدعوه إلى بيع ضميره، بل إلى تحريره من الهوى والضغط الاجتماعي وعبادة البشر….
الفرق أن المستبد في الدنيا يريدك وسيلةً لمصلحته، أما الله الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.. فيأمرك بما يصلحك أنت…
المتلاعب يخفي عنك نهاية الطريق، والوحي يبينها…
المتلاعب يغير القواعد كلما اقتربت من الجزرة، أما ربّ العزّة فقال:
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾….. فليست كل مكافأة رشوة، ولا كل عقوبة ظلما…
إنما الفارق في الحق والعدل والصدق والغاية وحرية الاختيار…..
**في زمننا لم تعد الجزرة قطعة طعام؛ لقد أصبحت أكثر أناقة، ولذلك صارت أخطر….
جزرة الشهرة :
قد يبدأ الكاتب صاحب رسالة، ثم يكتشف أن الغضب يجلب تفاعلا أكثر، وأن المبالغة ترفع المشاهدات، وأن الجمهور يكافئ الإثارة لا الحقيقة…
فيتنازل أول مرة عن دقة صغيرة، ثم عن إنصاف خصم، ثم عن مبدأ كامل…
بعدها لا يعود يسأل: ما الحق؟ بل: ماذا يريد المتابعون أن يسمعوا؟
يظن أنه يقود الجمهور، بينما الجمهور يقوده بالإعجابات، والمنصة تقوده بالخوارزمية، والمُعلِن يقوده بالمال…
وكلما ازدادت شهرته ضاق مجال حريته؛ لأن عنده الآن جزرة أكبر يخاف فقدانها….
جزرة المنصب :
قد يقنع الموظف نفسه بأن عليه الصمت عن خطأ واحد حتى يصل إلى موقع يستطيع منه الإصلاح…. ثم يصل، فيقال له: اصمت قليلا لتحافظ على موقعك. وهكذا يتحول المنصب من وسيلة للإصلاح إلى حجة لتأجيله…
في البداية تنازل كي يصل، وبعد الوصول يتنازل كي يبقى…
جزرة القبول الاجتماعي:
قد ترتدي رأيًا لا تؤمن به حتى لا تخسر جماعتك، وتضحك على شخص لم يؤذك، وتشارك في تشهير تعرف أنه ظالم، وتعيد عبارة لم تفكر فيها؛ لأن العصا هنا ليست سجنا ولا فقرا، بل الخوف من أن تبقى وحدك…
وهذه من أقسى العصي؛ فالإنسان كائن اجتماعي، وقد يتحمل الألم الجسدي ولا يتحمل النبذ….
لذلك تستخدم الجماعات لقب «الخائن» و«المنحرف» و«الجاهل» لتعيد الخارج إلى الصف قبل أن تناقش فكرته….
جزرة الحب:
يقول لك شخص: سأمنحك الحب إذا أصبحت كما أريد…
وكلما غيرت جزءًا من نفسك، نقل الجزرة خطوة إلى الأمام…
فإذا اعترضت رفع عصا الهجر والتجاهل….
في الحب الصحي يُقدَّم القبول مع حدود عادلة، أما في العلاقة المتلاعبة فيصبح الحنان راتبا مشروطا بالطاعة…
لا يحبك الآخر، بل يكافئ النسخة التي تخدم احتياجاته منك…
جزرة الثراء:
يقضي الإنسان عمره وراء مبلغ يظن أنه سيمنحه الراحة….
وكلما وصل إلى رقم تغيّر الرقم. …
يشتري أشياء لا يحتاجها ليُقنع أشخاصا لا يحبهم بأنه ناجح، ثم يعمل أكثر ليسدد ثمن الصورة التي صنعها…
نعم المال أداة عظيمة حين يخدم تفاصيل الحياة، لكنه يصبح جزرة معلقة حين تبتلع الحياة كلها مطاردة له…
حسنا … لماذا لا نغادر الطريق؟
لأن الاعتراف بأننا كنا مخدوعين مؤلم…
كلما طال سير الإنسان خلف جزرة، صار تراجعه أصعب؛ لا لأن الجزرة اقتربت بالضرورة، بل لأن الاعتراف بضياع السنوات يهدد صورته عن نفسه…
فيقول: لا بد أن أكمل، فقد قطعت مسافة طويلة…
وهذه مغالطة نفسية معروفة: أن نستمر في الخسارة بسبب ما خسرناه سابقا.
لكن الطريق الخطأ لا يصبح صحيحا لأنك مشيت فيه عشرين عاما، والصفقة الفاسدة لا تصبح رابحة لأنك دفعت فيها الكثير….
أحيانا تكون أشجع خطوة في حياتك أن تتوقف، لا أن تسرع….
أن تقول: هذه ليست رغبتي.
هذا ليس طريقي.
هذه المكافأة لا تساوي ثمنها.
وهذه العصا، مهما آلمتني، أهون من أن أفقد نفسي…
كيف تتحرر من الجزرة والعصا؟
التحرر لا يعني ألا ترغب في شيء وألا تخاف شيئا؛ فهذا غير ممكن ولا مطلوب…
بل يعني ألا تسمح لشهوتك أو خوفك بأن يعطلا بصيرتك…
سأل نفسك قبل كل تنازل:لو لم توجد هذه المكافأة، هل كنت سأرى الفعل صحيحا؟
لو لم توجد هذه العقوبة، هل كنت سأقبل بهذا الطريق؟
هل ما يُعرض عليَّ أجر عادل، أم ثمن لصمتي وضميري؟
هل الجائزة محددة وقابلة للتحقق، أم تتحرك كلما اقتربت منها؟
كم تنازلًا طُلب مني حتى الآن، وما التنازل التالي المتوقع؟
هل أصبحت أدافع عن أمر كنت أرفضه قبل أن أستفيد منه؟
هل أخاف خسارة الشيء لأنني أحتاجه، أم لأن قيمتي صارت معلقة به؟
إذا حصلت على الجزرة، فهل سأصبح حُرّا، أم سأعيش خائفا من سحبها؟
من المستفيد الحقيقي من استمراري في هذا الطريق؟
والأهم: ماذا يبقى مني إذا حصلت على كل شيء وخسرت نفسي؟
– ضع لنفسك أشياء لا تدخل المساومة:
دينك، شرفك، كرامتك، شهادتك، أمانتك، حقوق الأبرياء، وحقك في التفكير. فمن لم يحدد مقدّما ما لا يبيعه، قد يبيعه في لحظة خوف ثم يقضي عمره يبحث عن تبرير….
-و ابنِ استقلالك بالتدريج؛ لأن الجائع يصعب عليه رفض الجزرة، والخائف يصعب عليه تحدي العصا….
– ادخر مالا، ونوّع مصادر رزقك، وتعلم مهارة، وأتقِن لغة.. ووسّع علاقاتك، ولا تجعل شخصا أو مؤسسة أو جمهورا يملك وحده مفاتيح حياتك كلها…
فالاستقلال الأخلاقي يحتاج أحيانا إلى بنية مادية تحميه…
تأكّد يا عزيزي:
الحر ليس من لا تُعرض عليه الجزرة…
الحر ليس إنسانًا بلا رغبات، ولا بطلًا لا يشعر بالخوف…
الحر هو من يرى الجزرة والعصا، ويفهم ما تفعلانه في نفسه، ثم يحتفظ بحقه في سؤال الطريق…
قد يأخذ المكافأة إن كانت حقا، ويرفضها إن كانت رشوة.
وقد يتحمل العقوبة إن كان ثمن النجاة بضميره.
لا يعاند لمجرد العناد، ولا يطيع لمجرد السلامة.
يميز بين الحكمة والجبن، وبين المرونة والبيع، وبين الصبر والاستسلام…
أما المستعبَد حقا فليس من ضُرب بالعصا، بل من صار أكبر طموحه أن يرضى عنه حاملها…
وليس من حُرم الجزرة، بل من نسي كل الحقول لأن قطعة واحدة عُلقت أمام عينيه…
ارفع عينيك عن الجزرة !
أخطر ما في الجزرة المعلقة أنها تملأ مجال الرؤية….
تظل أمام عينيك حتى لا ترى الطريق، ولا الحمل فوق ظهرك، ولا اليد التي تقودك، ولا الحفرة التي تتجه إليها…
ولذلك فإن بداية التحرر ليست أن تصل إلى الجزرة، ولا أن تنتزع العصا، بل أن ترفع رأسك.انظر إلى الطريق كله.
انظر إلى نهايته.
انظر إلى ما تحمله من أجل غيرك.
انظر إلى ما فقدته وأنت تطارد ما وُعدت به…
ثم قرر: هل هذه غايتك فعلا، أم غاية من ربطها أمامك؟
لا تسمح لأحد أن يختصر إنسانيتك في رغبة يمكن إغراؤها أو خوف يمكن تهديده…
أنت لست كائنًا يتحرك نحو اللذة ويهرب من الألم فقط؛ أنت عقل يميز، وضمير يحاكم، وروح تختار، ومكلَّف سيقف يوما بين يدي الله وحده، لا بين يدي حامل الجزرة ولا صاحب العصا…
قد يمنحونك شيئا من الجزر كي تسير في طريقهم، وقد يحرمونك ويضربونك إن توقفت….
لكنهم لا يملكون قرارك إلا حين تقنع نفسك بأن ما في أيديهم أكبر مما في داخلك….
واعلم أن كل جزرة يمنحونك إياها مقابل صمتك ستفتح شهيتهم لشراء شيء آخر منك….
اليوم يشترون كلمة، وغدا موقفا، وبعده شهادة، ثم يكتشفون أنك لم تعد تحتاج إلى جزرة كبيرة؛ لأنك اعتدت السير….
لا تجعل حاجتك بابا لامتلاكك… ولا تجعل خوفك مِقودا في يد غيرك.
ولا تبع الطريق كله من أجل مكافأة على جانبه…
فقد تصل يوما إلى الجزرة فعلا، ثم تكتشف — بعد أن ينتهي الطريق — أنك حصلت على ما كنت تطارده، لكنك لم تعد تعرف الشخص الذي حصل عليه….
وحينها لن يكون السؤال المؤلم:كم جزرةً ربحت؟
بل:كم مرةً مشيت عكس ما تؤمن، وكم جزءا من نفسك تركت على الطريق؟
فالعبد يظل يسأل: ماذا سيعطونني إن أطعت، وماذا سيفعلون بي إن رفضت؟
أما الحر فيسأل أولا:ما الحق الذي ينبغي أن أفعله، ولو لم يمنحني أحد جزرة، ولو لوّح العالم كله بالعصا؟!
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة