من خانَ الفضلَ الأول… هان عليه كلُّ فضل …

برُّ الوالدين ليس خُلُقًا عائليًّا فحسب، بل امتحانٌ كاملٌ للضمير….

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

«فمن رأيتموه ينسى فضل أمه وأبيه أو يسيء إليهما، ولو بكلمة، فلا تثقوا به ولا تعتمدوا عليه؛ لأنكم مهما أحسنتم إليه فلن تولوه معشار ما أولته أمه أو أبوه. فإذا نسي فضلهما وجحده، فهل تأملون أن يذكر فضلكم ويحفظ معروفكم؟».

هذه العبارة ليست موعظة عادية، بل قاعدة دقيقة في قراءة المعادن البشرية؛ لأن الإنسان لا يُمتحن في أخلاقه حين يكون ضعيفا محتاجا، وإنما حين يقوى ويستغني، ولا يُعرف وفاؤه حين يرجو منك منفعة، بل حين يصبح قادرا على نسيانك من دون أن يخسر شيئا.

ومن هنا كان موقف الإنسان من والديه من أصدق النوافذ التي يُطلّ منها الآخرون على حقيقة قلبه:

-فإذا جحد فضلَ من حملاه صغيرا، وأطعماه عاجزا، وسهرا عليه مريضا، وخافا عليه قبل أن يعرف معنى الخوف؛ فما الذي سيمنعه من جحود فضل صديق أو زوجة أو شريك أو وطن، حين تنتهي حاجته إليهم؟

-من يخون الفضل الأول، يسهل عليه أن يخون كل فضل جاء بعده.

والديك… هُما التاريخ الذي سبق ذاكرتك…

كل معروف يقدمه الناس إليك تستطيع أن تتذكر بدايته، إلا معروف والديك؛ فقد بدأ قبل أن تبدأ ذاكرتك….

أحسنت أمك إليك يوم لم تكن تعرف اسمها، وسهر أبوك عليك يوم لم تكن تدرك معنى التعب….

حملتك أمك قبل أن تحملك الحياة، وأنفق عليك أبوك قبل أن تعرف قيمة المال… مرضتَ فارتجف قلباهما، وبكيتَ فاضطرب بيتهما، ونجحتَ ففرحا بك أكثر مما فرحت بنفسك….

أنت لا تتذكر كم مرة استيقظت أمك مذعورة لأن أنفاسك تغيّرت، ولا كم مرة أخفى أبوك ضائقته حتى لا تشعر بأن البيت يضيق….

لا تعرف عدد الوجبات التي تنازلا عنها، ولا الرغبات التي أجّلاها، ولا المخاوف التي ابتلعاها، ولا الدعوات التي رفعاها باسمك في غيابك.

ولهذا فإن عجز الإنسان عن إحصاء فضل والديه لا يعني أن الفضل قليل، بل يعني أنه أقدم من وعيه وأوسع من ذاكرته.

قد لا يكون والداك قدّما لك كل ما أردت، لكنهما — في كثير من الأحيان — قدّما لك كل ما استطاعا، وربما كل ما كانا يملكان…..

والمأساة أن بعض الأبناء يقيس عطاء أبويه بما فاته، لا بما وصله؛ فيتذكر اللعبة التي لم تُشترَ، وينسى عمرا كاملا بُذل كي لا يجوع….

يتذكر موقفا قاسيا، وينسى آلاف المواقف التي كان هو فيها محور البيت وهمّه الأكبر.

الذاكرة الناقمة تنتقي النقص، أما الذاكرة العادلة فترى الصورة كاملة…..

الجحود ليس نسيانا… بل انقلاب في ميزان القوة….

حين يكون الطفل صغيرا، يكون والداه عالمه كله: يطلب منهما الطعام والحماية والمال والدواء والقرار…..

ثم تدور الأيام؛ يضعفان ويقوى، يبطئان ويسرع، ينسَيان ويتذكر، يحتاجان إلى ماله ووقته وصبره كما احتاج يوما إلى كل ما عندهما.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي…..

هل يفهم أن الحياة لم تنقل إليه القوة كي ينتقم من ضعفهما، بل كي يردَّ بعض الدَّين؟ هل يرى تكرار السؤال علامة خرف تقتضي الرحمة، أم إزعاجا يستحق التذمّر؟

هل يتذكر أنه كرر السؤال نفسه مئات المرات صغيرا فأجيب من غير إذلال؟

هل يرى بطء مشيهما عبئا، أم يرى فيه فرصة ليمشي إلى جانبه نحو الجنة على مهل؟

إن التقدُّم بالسنّ والكِبَر لا يخلق حق الوالدين، لكنه يكشف أخلاق الأبناء….

فكم من ابن يتحدث مع مديره بأدب مصطنع، ثم يرفع صوته على أبيه!

وكم من ابنة تصبر ساعات على مجاملات الناس، ثم تضيق بتكرار أمها في دقائق!

وكم من إنسان يكتب أمام الجمهور عن الرحمة، ثم يجعل والديه يخافان من مزاجه داخل البيت!

أشد صور العقوق ليست الضرب ولا الطرد فقط؛ فقد يبدأ العقوق بتنهيدة ضجر، ونظرة ملل، وصوت بارد، وهاتف لا يُجاب، وزيارة تُؤجَّل، وأمّ تتردد قبل أن تطلب حاجتها خشية أن تكون ثقيلة على أبنائها.

وقد بلغ القرآن الكريم في حماية مشاعرهما أن نهى عن أدنى صوت يتسرب منه الضيق:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾….

لم ينهَ القرآن عن الإهانة الكبرى وحدها، بل أغلق الطريق إليها منذ بدايتها:

من حركة اللسان، وتغيّر النبرة، وإظهار التأفّف….

ثم لم يكتفِ بمنع الأذى، بل أمر بالإحسان الجميل:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ فهو ذلٌّ لا يصدر عن مهانة، بل عن رحمة ووفاء واختيار. …

لماذا اقترن حقهما بتوحيد الله؟

قال تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

هذا الاقتران ليس مساواة بين حق الخالق وحق المخلوق، وإنما بيان لعِظم الحق بعد حق الله؛ فالله هو سبب وجودك الأول، ووالداك سببه الظاهر…

الله أوجدك، ثم جعل من جسد أمك مهدك الأول، ومن سعي أبيك سياج حياتك البكر…

وفي موضع آخر قال سبحانه:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.

فجعل شكر الوالدين تاليًا لشكره؛ لأن من لم يتعلم الاعتراف بالنعمة القريبة التي عاش آثارها ببدنه، كان جحوده لما لا تراه عيناه أقرب.

وقد قرر علم الأخلاق العالمي المعنى نفسه بعبارات مختلفة؛ إذ تُعرَّف فضيلة الامتنان فلسفيا بأنها الاستجابة اللائقة للخير الذي يقدمه المحسن، وعدَّ كانط الامتنان «واجبا مقدسا»، ورأى في الجحود جوهرا من جواهر الخسة؛ لأن الجاحد لا ينكر هدية فقط، بل يهدم الثقة التي تجعل الإحسان ممكنا بين البشر….

فالناس يستطيعون العيش مع قليل المال، لكن المجتمعات لا تستطيع الاستمرار إذا صار المعروف سذاجة، والوفاء ضعفا، والجحود ذكاء.

يُروى أن رجلًا من التابعين مرض، فلما دخلت عليه أمه نهض ولبس وتجلّد وأظهر القوة، حتى إذا خرجت سقط من شدة مرضه، فقيل له في ذلك، فقال:

«إن أنين الأبناء يعذب قلوب الأمهات».

وليس المقصود من هذه الرواية أن يخفي الإنسان مرضه، بل أن نفهم ذلك النوع العجيب من الرحمة: أن يتألم المرء مرتين؛ مرة لوجعه، ومرة لأنه يعرف أن وجعه يؤلم أمه.

الأم لا ترى ألم ابنها حادثة منفصلة عنها؛ فالولد عندها جزء خرج من جسدها، لكنه لم يخرج من قلبها….

قد يكبر حتى يشيب، ويبقى في داخلها ذلك الصغير الذي كانت تتحسس جبينه في الليل.

ولهذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال في الرابعة: «أبوك».

صحيح البخاري

تكررت الأم ثلاثا، لا لأن الأب قليل الحق، بل لأن الأم انفردت بأثقال لا يحملها سواها: حملا ووضعا ورضاعا، ثم شاركت الأب في التربية والرعاية….

حملته ضعفا على ضعف، ثم ظل قلبها يحمله بعد أن عجز ظهرها عن حمله.

من مفارقات هذا العصر أن الإنسان أصبح قادرًا على التواصل مع العالم كله، لكنه قد يعجز عن إجراء مكالمة قصيرة مع أمه….

يملك وقتًا لمتابعة مئات الحسابات، ولا يجد دقائق ليسأل أباه عن صحته….

يسافر ليحضر مناسبة شخص قد لا يذكره بعد عام، ثم يعتذر عن زيارة والديه لأن الطريق مزدحم.

ننشر صور الطعام قبل أن نسأل: هل أكل أبي؟

ونهنئ الغرباء في مناسباتهم، ثم ننسى الموعد الطبي لأمّنا….

ونتحدث عن الصحة النفسية، ثم نجعل البيت بيئة يخشى فيها الوالدان الكلام….

ونطالب العالم بتقدير إنجازاتنا، بينما لا نقدّر من صنعوا بداياتنا.

وأحيانا لا يهجر الأبناء والديهم بأجسادهم، بل يهجرونهم وهم جالسون معهم: عين في الهاتف، وقلب في مكان آخر، وإجابة مقتضبة تقول من غير كلام: انتهِ سريعا، فلديَّ ما هو أهم منك !!

لكن الأم لا تريد منك محاضرة في الوفاء، بل أن تشعر أنك ما زلت تراها….

والأب لا يطلب غالبا استعادة ما أنفق، بل أن يبقى له موضع كريم في حياتك بعد أن كان يبني حياته كلها حولك….

البر ليس سدادا كاملا لدين يمكن إحصاؤه، فذلك دين أكبر من أن يُسدَّد؛ وإنما هو اعتراف بالفضل، وصيانة للجميل، وشهادة أخلاقية تقول: لم أنسَ اليد التي أمسكت بي قبل أن أعرف الطريق.

ولهذا، لا تثق كثيرا بمن يحسن إلى العالم كله ويؤذي أبويه؛ فالأخلاق التي لا تبدأ من البيت غالبا ما تكون استعراضا خارجه…

ومن لم يحفظ قلبين أفنيا نفسيهما من أجله، فبأي ضمان سيحفظ قلبًا عرفه متأخرًا؟

ربما لم يمنحك والداك طفولة كاملة، فالآباء بشر ينقصون ويخطئون. وربما لم يقدما لك كل ما تمنيت، لكن أنصفهما:

هل قدما ما استطاعا؟

هل حملا عنك ما لم تره؟

هل أخفيا خلف صمتهما معارك لم تعرف عنها شيئًا؟

عامل ضعفهما اليوم كما عاملا ضعفك بالأمس….

اصبر على بطئهما كما صبرا على خطواتك الأولى….

أجب عن سؤالهما المكرر كما أجابا عن أسئلتك التي لا تنتهي….

وأمسك أيديهما حين يثقل الطريق، فقد أمسكا يدك حين لم تكن تعرف كيف تقف.

ثم قلها بقلب يفهم معناها، لا بلسان يمر عليها:

﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

فالآية لا تقول فقط: ارحمهما لأنهما أنجباني، بل: كما ربياني؛ أي اذكر تاريخ الرحمة كله، ثم اطلب لهما من رحمة الله ما يعجز وفاؤك المحدود عن بلوغه.

ومن كان والداه على قيد الحياة، فليعلم أن في بيته بابا من أبواب الجنة لا يدري متى يُغلق.

ومن فقد أحدهما أو كليهما، فليكثر من الدعاء؛ فرُبّ دعوة صادقة تصل إليهما، ويصل معها إلى قلبه شيء من السكينة.

أما من لا يزال يسمع صوت أمه أو أبيه، فلا ينتظر حتى تصبح أعظم أمنياته في الدنيا أن يسمعه مرةً أخرى.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل أنا نسوية ؟

لا والله بل ضد النسوية… ويمكن للمرأة أن تكون ضد النسوية بوصفها منظومة أيديولوجية، وأن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *