من أكثر المشاهد التي تهزّ القلب في السيرة النبوية، ليس فتح مكة، ولا انتصارات بدر، ولا دخول الناس في دين الله أفواجا…..
بل ذلك اليوم الذي خرج فيه رسول الله ﷺ من الطائف…
لم يخرج منها منتصرا….ولا مُكرَّمًا. ولا حتى مرفوضا بأدب… عليه الصلاة وأتمّ التسليم ..
بل خرج وقد سالت الدماء من قدميه، وأُغلق في وجهه كل باب، وسُلِّط عليه السفهاء والصبيان، يرشقونه بالحجارة حتى اختلط الدم بالتراب….
ولم يكن أولئك السفهاء هم الذين قرروا ذلك وحدهم…
لقد كانوا أدوات….
أما القرار، فقد اتخذه سادة الطائف حين رفضوا حتى أن يستمعوا إلى رجل جاء يحمل فكرة، لا سيفا…
إنها صورة تتكرر في التاريخ كثيرا:
هناك دائما من يصنع قرار الظلم… وهناك من ينفذه… ثم هناك من يدفع ثمنه.
في تلك اللحظة، جاء جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، وقال للنبي ﷺ: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين…
أي أن لحظة الانتصار كانت بين يديه…. وكان ذلك، بمعايير البشر، عدلا.
بل ربما رآه كثيرون انتقاما مستحقا…. لكن النبي ﷺ لم يكن يبني مشروعه على الغضب…. بل كان يبنيه على المستقبل.
فقال:
“بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.”
تأمل هذه العبارة جيدا …
لم يرَ الحجارة…
بل رأى أطفالا لم يولدوا بعد….
لم ينظر إلى الجيل الذي أغلق قلبه… بل إلى الجيل الذي قد يفتح الله قلبه.
لم يحكم على التاريخ من صفحة واحدة….
وهنا يكمن الفرق بين عقلية الأنبياء، وعقلية كثير من الناس….
نحن نحاكم الإنسان بما هو عليه الآن….
أما الأنبياء، فينظرون أيضا إلى ما يمكن أن يصبح عليه….
نحن نرى الخصم…. وهم يرون الإنسان.
نحن نرى الإساءة…. وهم يرون إمكانية الهداية.
ولذلك فإن أعظم انتصار حققه الإسلام لم يكن بالسيف…
بل بأنه آمن بأن الإنسان ليس أسير لحظته….
كم رجلٍ حارب الإسلام، ثم أصبح من أعظم رجاله؟
كم امرأةٍ وقفت في وجه الدعوة، ثم حملتها إلى العالم؟
كم قلبٍ كان ممتلئا كراهية، ثم أصبح ممتلئا بنور الله؟
لو أن التاريخ حاكم الناس بلحظات سقوطهم فقط…
لما عرفنا كثيرا من العظماء… لكن القصة لا تتحدث عن النبي ﷺ وحده…
بل تتحدث عنك أنت أيضا يا عزيزي…
اسأل نفسك:
من أنت في هذه القصة؟
هل أنت من السادة… الذين لا يباشرون الظلم بأيديهم، لكنهم يصنعون أجواءه، ويؤججون الكراهية، ويحرّضون غيرهم، ثم يجلسون بعيدًا عن المشهد؟
كم من فتنة بدأت بمنشور؟
وكم من دم سال بسبب خطاب تحريضي؟
وكم من إنسان حُطِّمت سمعته لأن أحدهم قرر أن يشعل الناس عليه؟
إن الذي يحرّض على الظلم، شريك فيه، ولو لم يرفع حجرا واحدا.
قال تعالى:
﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
هل أنت من السفهاء… الذين لا يفكرون؟
الذين يتحركون لأن الجميع يتحرك؟
ويهتفون لأن الجميع يهتف؟
ويشتمون لأن الجميع يشتم؟
ويرجمون لأن أحدًا قال لهم: ارجموه…. ؟!
إن أخطر ما في الإنسان أن يتنازل عن عقله…. ولهذا كان القرآن الكريم العظيم يكرر السؤال:
﴿أفلا تعقلون﴾
﴿أفلا يتفكرون﴾
﴿لعلهم يتدبرون﴾
لأن الله لم يخلق الإنسان ليكون صدىً لغيره….
والآن …
توقّف عند احتمال ثالث…
هو الأجمل….
ربما كنت أنت نفسك… ثمرة دعوة النبي ﷺ.
نعم….
من يدري؟
قد يكون جدك الأعلى، أو قومك، أو قبيلتك، أو مدينتك، قد وقفت يوما في وجه نبي، أو عالم، أو مصلح…..
ثم شاء الله أن يخرج من أصلابهم مؤمنا صالحا تقيّا نقيّا ..
إن القرآن نفسه يحدثنا عن أبناء صالحين خرجوا من آباء كافرين.
ويحدثنا عن أبناء ضالين خرجوا من بيوت أنبياء.
لأن الهداية لا تُورث بالدم… بل بالاختيار.
قال تعالى:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
فلا أحد يحمل خطيئة آبائه، كما لا يرث أحد صلاحهم تلقائيًا.
ولهذا لا تتكبر على أحد.
فقد يكون الذي تسخر منه اليوم… خيرا منك غدا.
ولا تيأس من أحد… فقد يفتح الله عليه في لحظة، ما لم يفتحه عليك في سنوات.
ولا تدعُ على الناس بالهلاك كلما أساؤوا إليك….
فربما كان في أصلابهم عالم، أو مصلح، أو حافظ للقرآن، أو أم صالحة، أو طفل سيغيّر الله به حياة الآلاف.
إن النبي ﷺ لم يكن ينظر إلى شجرة تؤذيه… بل إلى الثمار التي قد تخرج منها بعد عقود…
وهنا تتجلى عظمة الإسلام…. إنه لا يبرر الظلم…. ولا يساوم على الحق.
ولا يطلب منك أن تحب الباطل…. لكنه يرفض أن تتحول الكراهية إلى عمى.
قال تعالى:
﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
فالعدل ليس مع من تحب فقط… بل مع من تكره أيضا.
حين تقرأ قصة الطائف، لا تبكِ لأن النبي ﷺ أوذي فيها….
بل ابكِ لأن قلبا بشريا استطاع، وهو ينزف، أن يفكر في مستقبل من آذاه، لا في الانتقام منهم…..ثم انظر إلى نفسك.
كلما أساء إليك أحد، اسأل:
هل سأكون من الذين يصنعون الكراهية؟
أم من الذين يكررونها؟
أم من الذين يقطعون سلسلتها؟
فقد تكون كلمة رحيمة منك اليوم، أو دعوة صادقة في جوف الليل، سببًا في هداية إنسان، أو في صلاح ذرية لم تولد بعد.
ولهذا، فالسؤال الحقيقي ليس: من الذي آذى النبي؟
بل: لو كنتَ أنتَ هناك… فمن كنت ستكون؟
أكنت من السادة الذين حرّضوا؟ أم من السفهاء الذين نفّذوا؟
أم من أولئك الذين شملتهم رحمة نبي، فنبت من أصلابهم جيل عرف الله بعد أن قست قلوب آبائهم كما الحجارة التي رشقوا بها صاحب الرسالة ؟
اختر مكانك في القصة… فكل يوم تكتب لنفسك سطرا جديدا منها.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة