لا تجعل خلافا سياسيا يسرق منك أخًا، أو صديقا، أو قريبا، أو جارا…

لا تجعل خلافا سياسيا يسرق منك أخًا، أو صديقا، أو قريبا، أو جارا….

فالسياسة بطبيعتها متقلبة، والتحالفات تتغير، والخصومات تنتهي، والاتفاقيات تُوقّع دون أن يستشيرك أحد، لكن الكلمة التي جرحتَ بها قلب إنسان قد تبقى فيه عمرا كاملا…

تذكر دائما…أن اللعبة السياسية أعقد بكثير مما يظهر على الشاشات….

وأن ما يصل إليك ليس إلا جزءا صغيرا من المشهد….

أما القرارات الكبرى، فغالبا ما تُصنع خلف الأبواب المغلقة، على موائد المصالح، لا على صفحات مواقع التواصل…

قد تقضي سنوات تدافع عن طرف، ويقضي غيرك سنوات يدافع عن الطرف المقابل…

ثم يستيقظ الجميع ذات صباح ليجدوا أن القادة الذين شتم الناس بعضهم من أجلهم، قد جلسوا على طاولة واحدة، وتصافحوا، وتبادلوا الابتسامات، ووقّعوا اتفاقا جديدًا…. ويبقى المتخاصمون من أجلهم يحملون جراح الكلمات….

لا تجعل السياسي أعز عليك من صديق عرف معدنك الأصيل….

ولا تجعل الزعيم أقرب إلى قلبك من أخ شاركك خبزك….

ولا تجعل حزبا، أو دولة، أو جماعة، أو تيّارا .. سببا في أن تقطع رحما، أو تهدم صداقة، أو تزرع الكراهية في بيتك…

فالذين تدافع عنهم قد لا يعرفون اسمك أصلا…أما الذي تخسره بسببهم، فهو يشتاق صوتك، ويفتقد حضورك، ويحزن لغيابك…

قال الأديب الفرنسي بول فاليري:

“الحرب مجزرة بين أناس لا يعرف بعضهم بعضا، من أجل أناس يعرف بعضهم بعضا، لكنهم لا يقتتلون.”

وهي عبارة لا تصف الحروب العسكرية وحدها…بل تصف أيضا كثيرا من حروبنا الفكرية والإعلامية….

يروي أحد الإخوة الصوماليين ممن عايشوا الحرب الأهلية في أوائل التسعينيات، أن بعض قادة الفصائل كانوا يقضون لياليهم معا، يتسامرون، ويتبادلون الأحاديث، بينما كان البسطاء في الصباح يقتتلون ويموتون دفاعا عنهم…

سواء اختلفت التفاصيل من رواية إلى أخرى، فإن العبرة تبقى واحدة:

ليس كل من يدفع الناس إلى الخصومة يدفع ثمنها معهم…

ولعل بهلول بغداد، الذي وصفه الناس بالجنون، كان من أعقلهم حين قال:

رأيتُ الحربَ يُوقدها أناسٌ

ويشقى بها قومٌ آخرونا….

ولم يكن يقصد الحرب بالسيوف وحدها…بل كل حرب يشعلها أصحاب النفوذ، ثم يدفع ثمنها البسطاء…

اختلف…لكن لا تكره…

ناقش…لكن لا تُهِن…

دافع عن فكرتك…… لكن لا تُحطّم إنسانا من أجلها….

فقد يأتي يوم تكتشف فيه أن الرأي الذي قاتلت دونه قد تبدّل، وأن التحالف الذي تعصبت له قد انتهى، وأن الزعيم الذي خاصمت الناس لأجله صافح خصومه…

أما الصديق الذي خسرته…فلن يعود بسهولة….

فلا تجعل السياسة تُفسد إنسانيتك، ولا تجعل اختلاف المواقف يمحو سنواتٍ من المودة….

فالآراء تتبدل، والسياسات تتغير، والتحالفات تُعاد صياغتها، أما الإنسان الصادق الذي يقف معك في الشدة… فهو أثمن من كل معركة لن يذكر التاريخ اسمك فيها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل أنا نسوية ؟

لا والله بل ضد النسوية… ويمكن للمرأة أن تكون ضد النسوية بوصفها منظومة أيديولوجية، وأن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *