كم حربا بدأت بسهم؟
وكم دولة سقطت بمدفع؟
وكم إنسانا مات برصاصة؟
هذه الأسئلة تتبادر إلى الذهن حين نتحدث عن القتل والدمار…..
لكن التاريخ يعلمنا حقيقة أكثر إيلاما…
أن كثيرا من الدماء لم تبدأ بسيف… بل بكلمة….
كلمة خرجت من فم نمّام… أو وشاية كاذب… أو إشاعة أطلقها حاقد…
أو خبر لم يتثبت منه أحد….
ثم أخذت الكلمة تكبر، وتنتقل من أذن إلى أذن، ومن مجلس إلى مجلس، حتى أصبحت نارا لا يعرف أحد كيف بدأت، ولا كيف تنتهي….
لقد قتل اللسان من البشر ما لم تقتله السيوف…
وفرّق من الأُسر والأحباب ما لم تفرقه الحروب…
وأفسد من القلوب ما عجزت عن إفساده سنوات طويلة من الخصومات….
كم من زوجين عاشا سنوات من المودة، ثم تفرّقا لأن شخصا واحدا قرر أن يكون رسولا للشيطان بينهما….
وكم من أخوين انتهت أُخوّتهما بعد عمر من المحبة لأن واشيًا نقل كلمة، وزاد عليها كلمة، ثم أقسم أنه لا يريد إلا الخير.
وكم من إنسان دخل السجن، أو فقد سمعته، أو خسر عمله، أو قُتل، لأن إشاعة سبقت الحقيقة….
ولهذا لم ينظر الإسلام إلى النميمة على أنها مجرد “سوء خلق”.. بل اعتبرها اعتداء على أمن المجتمع كله.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
تأمل…
لم يقل: حتى لا تخطئوا فقط… بل قال: ﴿أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾….
لأن الكلمة قد تتحول إلى حكم…. والحكم قد يتحول إلى ظلم….
والظلم قد يتحول إلى مأساة لا يمكن إصلاحها….
ولذلك كان أول ما يفعله القرآن مع الخبر… هو أن يوقف اندفاعنا….
فتبينوا…..
ليس لأن كل الناس كذابون…
بل لأن آثار الكلمة قد تكون أكبر من قدرة صاحبها على إصلاحها…
ولم يقل النبي ﷺ:
“وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟” … عبثا.
فاللسان لا يجرح الأذن فقط… بل قد يهدم بيتا، ويشعل ثأرا، ويقتل بريئا، ويزرع كراهية تبقى عشرات السنين….
ولهذا قال الإمام الشافعي عليه رحمة الله:
“إذا أراد الإنسان أن يتكلم، فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر فيه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك أمسك”…
والعجيب أن النمام في الغالب لا يباشر الجريمة بنفسه….
إنه يكتفي بزرع الفتيل… ثم يقف بعيدًا يتفرج.
لا يحمل سكينا … ولا يطلق رصاصة… ولا يوقع حكما…
لكنه يعلم أن غيره سيفعل ذلك نيابة عنه….
ولهذا كان أخطر الناس على المجتمعات أحيانا ليس أصحاب القوة…
بل أصحاب الألسنة….
وفي علم النفس الاجتماعي، أثبتت الدراسات أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تصديق الأخبار السلبية أكثر من الأخبار الإيجابية، لأن الدماغ يُعدّها أكثر ارتباطًا بالبقاء والحذر….
ولهذا تنتشر الإشاعة بسرعة تفوق انتشار الحقيقة، خاصة إذا وافقت هوى الناس أو أكدت أحكاما مسبقة يحملونها عن الآخرين.
ومن هنا تصبح مسؤولية التثبت مسؤولية أخلاقية، لا مجرد مهارة عقلية.
ولذلك لم يكن القرآن يحارب الكذب وحده… بل حارب البيئة التي تسمح للكذب أن يعيش…. فنهى عن سوء الظن…. ونهى عن التجسس.
ونهى عن الغيبة…. ونهى عن القذف…. ونهى عن إشاعة الفاحشة.
لأن هذه كلها حلقات في سلسلة واحدة.
فالإشاعة لا تبدأ بالكذب غالبا… بل تبدأ بسوء الظن.
ثم بالرغبة في الحديث…. ثم بإضافة كلمة صغيرة…
ثم يصبح الكذب حقيقة في أذهان الناس….
قال ابن القيم عليه رحمة الله:
“ومن آفات اللسان أنه يزرع العداوة، ويقطع المودة، ويورث الضغائن”
ولذلك كان السلف يقولون:
“النمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة”
لأن الساحر قد يفرق بين اثنين…
أما النمام فقد يفرق بين قبيلتين، أو شعبين، أو أمتين.
وانظر إلى واقعنا اليوم…
كم من أسرة تفككت بسبب رسالة في هاتف.
وكم من إنسان انتهت حياته المهنية بسبب تغريدة.
وكم من فتاة بقيت سنوات تدفع ثمن إشاعة مُختلقة….
وكم من شاب حُرم من الزواج لأن أحدهم قال: “سمعت.. كذا وكذا ويقولون عنه كذا وكذا وما بحط بذمتي!!.”
دون أن يقول لنفسه قبل سواه: ويلك تثبتُّ…. !
لقد تغيرت الوسائل… لكن الخطيئة بقيت هي نفسها… كان النمام قديما يمشي بين البيوت… وأصبح اليوم يمشي بين ملايين الناس بضغطة زر.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان قبل أن ينقل خبرا…
أن يسأل نفسه سؤالا واحدا:
لو كان هذا الخبر عني… هل أرضى أن ينقله الناس قبل أن يتأكدوا من صحته؟!
فإن كانت الإجابة: لا….
فقد عرفت كيف يعاملك الله… وكيف ينبغي أن تعامل عباده.
إن الحضارات لا يحميها السلاح وحده… بل يحميها الضمير.
ولا يهدمها الفقر وحده… بل يهدمها انهيار الثقة بين الناس.
والنميمة ليست مجرد ذنب فردي… إنها جريمة اجتماعية، لأنها تقتل أغلى ما يملكه المجتمع:
الثقة….
فإذا ماتت الثقة…
صار كل إنسان يشك في أخيه…. وكل زوج يشك في زوجته…. وكل شريك يشك في شريكه…. وعندها لا يحتاج المجتمع إلى عدو خارجي…
لأنه يكون قد بدأ يهدم نفسه بنفسه….
ولهذا لم يجعل الإسلام حفظ اللسان من مكارم الأخلاق فقط…
بل جعله من أعمدة الإيمان…. فقد يسامحك الناس إذا جرحت أبدانهم…
لكنهم قد لا ينسون أبدا أنك جرحت أعراضهم، أو هدمت بيوتا، أو لوثت سمعة بريء بكلمة خرجت من لسانك، ثم عجزت الدنيا كلها أن تعيدها إليه….
فاحذر من كلمة لا ترى فيها إلا حروفا… بينما يراها الله بداية مأساة… قد تمتد آثارها إلى أجيال….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة