أكثر معارك الإنسان تبدأ بكلمة…

في كثير من الأحيان، يكون الكلام هو الخيار الأسهل؛ لأن الغضب يتكلم،

والهوى يتكلم، والرغبة في الانتصار تتكلم، وحب الظهور يتكلم، أما الصمت فلا يختاره إلا من استطاع أن ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره…

أكثر معارك الإنسان لا تبدأ بالسلاح، وإنما تبدأ بكلمة…..

كلمةٌ أشعلت حربا ..

وكلمةٌ فرّقت أسرة…. وكلمةٌ أسقطت سمعة إنسان….

وكلمةٌ أدخلت بريئا السجن….

وكلمةٌ أفسدت صديقين، أو زوجين، أو قبيلتين، أو أمةً كاملة….

ولهذا لم يكن أعظم ما يحرسه الإنسان في الشريعة الإسلامية بعد قلبه إلا لسانه…

قال ﷺ: “وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.”

لأن اللسان لا يقتل صاحبه وحده، بل قد يقتل مستقبلا، أو يهدم بيتا، أو يصنع عداوة تستمر عشرات السنين……

ولهذا…حين تُفعّل “الوضع الصامت”، فأنت لا تُغلق فمك فقط…

بل تُغلق أبوابا كثيرة للشيطان…..

لن يعرف الناس أسرارك….

ولن يعرفوا نقاط ضعفك…..

ولن يجد الحاسد مادة يحسدك عليها…..

ولن يجد الواشي كلاما ينقله عنك…..

ولن يجد النمّام جُملة يبني عليها فتنة…..

ولن يجد الكاذب ما يُحرّفه نقلا عنك ….

ولن يجد المُبغض ما يقتطعه من سياق حديث لك…..

إن أكثر ما يؤذي الإنسان اليوم، ليس ما يفعله، بل ما يقوله عن نفسه….

كم إنسانٍ هدم هيبته لأنه أكثر الحديث عن إنجازاته…..

وكم إنسانٍ خسر احترام الناس لأنه كشف أسرار بيته….

وكم إنسانٍ منح أعداءه السلاح الذي طعنوه به، بلسانه هو….

يقول عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله:

“من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه…”

لأن كل كلمة خرجت منك أصبحت ملكا للناس…

يُفسرونها كما يشاؤون ويقتطعون منها ما يريدون وينقلونها بغير سياقها…. بل ويُضيفون إليها ما لم تقله أبدا…..

ثم تعود إليك بعد سنوات وكأنها حقيقة ثابتة عنك…

أما الكلمة التي لم تقلها…فلا سلطان لأحد عليها…..

ومن أعظم فوائد الصمت أنه يعلّمك شيئا لا يتعلمه كثير من الناس…

أنك لست مضطرّا لإبداء رأيك في كل قضية…..

لسنا مكلفين بالتعليق على كل خبر….. ولا بالرد على كل إساءة….

ولا بالدخول في كل معركة….. ولا بإقناع كل جاهل….

ولا بتصحيح كل خطأ…..

فالوقت الذي تقضيه في الرد على كل أحد… هو وقتٌ يُسرق من مشروع حياتك…

ولهذا كان الحكماء يقولون:”ليس من الحكمة أن تربح كل جدال… بل أن تختار الجدال الذي يستحق أن تخوضه” ….

والصمت ليس جُبنا يا قوم…

فموسى عليه السلام سكت أحيانا….

ويوسف عليه السلام سكت عن ظلم إخوته سنوات….

وأبو بكر الصِدّيق رضي الله عنه كان قليل الكلام…

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “من كثر كلامه كثر سقطه.”

ولم يكن ذلك ضعفا…بل لأنهم كانوا يعلمون أن الكلمة مسؤولية، وليست مجرد صوت…

والعجيب…أن أكثر الناس هيبة في المجالس ليس أكثرهم كلاما….

بل أكثرهم صمتا…..

لأن الناس يعتادون الضجيج…لكنهم ينتظرون كلمة الصامت….

كلما قلّ كلامك… ازدادت قيمة كلماتك…. وكلما كثر كلامك… رخصت عند الناس…

فالذهب لا ترتفع قيمته لأنه كثير…بل لأنه نادر… وكذلك الكلمة…

لكن…احذر أن تفهم الصمت فهما خاطئا….

فالإسلام لم يدعُ إلى الصمت المطلق…

فلو سكت العلماء لضاع العلم…

ولو سكت الدُعاة لضاعت الهداية…..

ولو سكت الشهود لضاعت الحقوق…..

ولو سكت العقلاء لارتفع صوت السفهاء…..

ولهذا قال النبي ﷺ:”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت.”

لم يقل: فليصمت….. بل قدّم الخير أولا…

.فإذا كان كلامك يرفع مظلوما…فقُله…

وإذا كان يُصلح بين متخاصمين…فقله….

وإذا كان يُعلم جاهلا…فقله…..

وإذا كان كلامك يواسي مكسورا…فلا تتردد وقُله….

وإذا كان يردع ظالما دون أن تؤذي نفسك وتخرق قواعد الدين…فقُله….

أما ما سوى ذلك…فالصمت عبادة….

وقبل أن تتكلم، جرّب أن تُمرر كلماتك عبر خمسة أبواب:

-هل هي حق؟

-وهل هي نافعة؟

– وهل هي في وقتها؟

– وهل تقال بالطريقة المناسبة؟

– وهل سأرضى أن أقف بها بين يدي الله يوم القيامة؟

* فإن سقطت كلماتك التي تملأ فمك عند بابٍ واحد…فدعها تموت في صدرك…

فبعض الكلمات إذا بقيت حبيسة القلب… أنقذت العمر كله….

لذلك أدعوك عزيزي القارئ إلى تفعيل “الوضع الصامت” …

لا لأن الناس لا يستحقون سماعك، بل لأن كلماتك أثمن من أن تُهدر في كل مجلس، وأغلى من أن تُلقى في كل خصومة، وأشرف من أن تصبح وقودا للقيل والقال…

اجعل لسانك لا يتحرك إلا إذا كان كلامه نورا، أو عدلا، أو علما، أو إصلاحا، أو مواساة……

أما ما سوى ذلك…فاتركه يموت في صدرك قبل أن يُحسب عليك..

فكم من كلمة ندم أصحابها بعد خروجها، وكم من كلمة لم تُقل، فكانت سببا في نجاة صاحبها في الدنيا والآخرة…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين يطغى الشرح على النص… ويُصبح الهامش أكبر من المتن ..

كيف انتقل مركز الثقل من الوحي إلى الشرح؟! * أدخل إلى أي مكتبة إسلامية كبيرة…ستقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *