كانت ولا تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تنظر إلى هدف التطبيع مع المملكة العربية السعودية بوصفه الجائزة الكبرى، فهي تدرك أن السعودية ليست دولة عربية تقليدية في الحسابات الإقليمية، فهي ذات ثقل سياسي وديني واقتصادي كبير في العالم العربي والإسلامي.
تدرك دولة الاحتلال أن السعودية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في موازين الطاقة والاستثمار والأسواق العالمية، وتقود واحدًا من أكبر الاقتصادات في المنطقة، ما يمنح الكيان الإسرائيلي حال التطبيع شرعية سياسية ورمزية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ويجعل أي تحول في علاقة السعودية ودولة الاحتلال ذا أثر يعيد تشكيل البيئة الإقليمية بأسرها.
دولة الاحتلال مدفوعة في إصرارها على خطوة التطبيع مع السعودية، برغبتها في إنهاء العزلة السياسية في المحيط العربي التي دخلت فيها منذ عام 1948، والذي شكل خلالها الرفض العربي للوجود الإسرائيلي عنصرًا أساسيًا في الصراع، ومع مرور الزمن نجحت في تفكيك هذا الرفض عبر اتفاقيات السلام، ثم عبر اتفاقية أبراهام، إلا أن غياب السعودية تحديدا عن التطبيع يمثل فراغًا سياسيًا كبيرًا لدى دولة الاحتلال، لأن مشروع الاندماج الإقليمي لا يكتمل إلا بانضمام الرياض إليه.
هناك دافع أمني للاحتلال في التطبيع مع السعودية، لأن التعاون معها يمثل قيمة استراتيجية كبيرة ليس بسبب موقعها الجغرافي فحسب،وإنما أيضًا لإمكاناتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، نظرًا لأن دولة الاحتلال ترى أن بناء شبكة علاقات أمنية مع دولة بحجم السعودية يعزز من قدراتها على مواجهة التحديات المشتركة فيما يتعلق بأمن الملاحة أو مواجهة التحولات العميقة في البيئة الإقليمية.
كما أن الاقتصاد الإسرائيلي يبحث عن أسواق جديدة واستثمارات ضخمة وشراكات طويلة الأمد، ومن ثم ترى دولة الاحتلال في السعودية شريكًا اقتصاديا هامًا حال التطبيع، حيث أن السعودية تمثل أحد أكبر اقتصادات الشرق الأوسط وتقود مشاريع تنموية واستثمارية هائلة.
إضافة إلى ذلك، فإن دولة الاحتلال تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ فكرة أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد القضية المركزية في المنطقة، وأن الأولويات الإقليمية أصبحت مختلفة.
ومن هذا المنظور، فإن التطبيع مع السعودية يمنح هذه الرواية دفعة كبيرة، لأنه يعني، من وجهة نظر الاحتلال، أن أكبر دولة عربية وإسلامية قررت التعامل معها ضمن منطق المصالح المتبادلة، بغض النظر عن استمرار الخلافات حول القضية الفلسطينية.
غير أن الحلم الصهيوني ارتطم بحقيقة أن السعودية قد رهنت التطبيع بالحل العربي للقضية الفلسطينية، فتضاءلت إمكانية التطبيع، خاصة مع المجازر الدموية التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق سكان قطاع غزة، وهو ما كان بمثابة العصا التي وضعت في عجلة التطبيع.
ولا يخفى أن كل تطور يطرأ على العلاقات الأمريكية السعودية فيما يتعلق بالاتفاقيات الأمنية أو الاقتصادية أو التقنية أو النووية، يثير تساؤلا إسرائيليًا: هل ما زال التطبيع يمثل مدخلًا إلزاميًا في تلك الاتفاقيات، أم أن هذه الشراكات والاتفاقيات الأمريكية السعودية صارت تبنى بمعزل عن المسار الإسرائيلي.
هذا السؤال يفسر جانبًا كبيرًا من القلق الإسرائيلي إزاء موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على صفقة نووية لأغراض سلمية مع السعودية تمتد لثلاثين عامًا، وهو ما يفتح الباب أمام المملكة لتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
ترى دولة الاحتلال أن القرار الأمريكي أسقط شرط تطبيع السعودية مع الكيان والانضمام إلى اتفاقية أبراهام، بما يمثل لديها طعنة قاتلة في مستقبل التطبيع الإقليمي.
كما أنها ترى في الاتفاقية تراجعًا حادًا في مكانة دولة الاحتلال الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة، وأن واشنطن تضع مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية بمعزل عن مركزية المصالح الإسرائيلية في السياسة الأمريكية بالمنطقة.
لقد جاء القرار الأمريكي متجاوزًا الحساسية الإسرائيلية ومُغلبًا لمصالح واشنطن، حيث أن الاتفاقية تنشط الصناعة النووية الأمريكية من خلال توكيل شركات أمريكية وإقامة المنشآت، ما يفتح الطريق أمام شراء القدرات والخدمات النووية الأمريكية من دول أخرى، إضافة إلى رغبة الولايات المتحدة في قطع الطريق على شراكة سعودية مع الصين وروسيا في البرنامج النووي.
ولم تغفل صحيفة معاريف العبرية عن الأهمية الرمزية لهذا الاتفاق، حيث اعتبرته انتصارًا للمقاومة الفلسطينية التي كان أحد أهدافها في هجوم السابع من أكتوبر تقويض التطبيع بين تل أبيب والرياض، ومنع تهميش القضية الفلسطينية.
السعودية، في مواقفها المعلنة تؤكد باستمرار أن القضية الفلسطينية لا تزال عنصرًا رئيسيًا في أي حديث عن سلام شامل، وأن تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف يمثل شرطًا مهمًا لأي تحول كبير في العلاقات مع إسرائيل.
ولذلك، فإن الحديث عن التطبيع لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع المتعلق بمستقبل عملية السلام، وحقوق الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية وفق المرجعيات التي تتبناها المملكة.
ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي من اتفاقية النووي بين أمريكا والسعودية لا يرتبط فقط بإمكانية تأجيل التطبيع، وإنما أيضًا بالخوف من أن يتحول الملف الفلسطيني مرة أخرى إلى عنصر حاكم في أي ترتيبات إقليمية.
تدرك دولة الاحتلال من جهتها، أن السعودية كلما توسعت خياراتها الدولية وتعددت شراكاتها الاقتصادية والأمنية، تراجع اعتقاد السعوديين بأن التطبيع هو البوابة الوحيدة للوصول إلى المكاسب الاستراتيجية.
هذه المخاوف بلا شك، ستدفع الكيان الإسرائيلي لممارسة ضغوط كبيرة على الإدارة الأمريكية من خلال اللوبي الصهيوني والإنجيليين المؤيدين لدولة الاحتلال داخل أمريكا، لمنع إقرار الاتفاق النووي مع السعودية دون تضمين شرط التطبيع.
وفي حال إقرار الاتفاقية بشكل نهائي ودخولها حيز التنفيذ دون اعتبار التطبيع، فإنه سيعد أحد أخطر تحولات السياسة الأمريكية تجاه الكيان الإسرائيلي، وشهادة وفاة التطبيع العربي مع دولة الاحتلال.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة