يبدو أن جيناتي اختيرت بعناية شديدة لكي أقوم بهذه المهمة على الأرض:
أن أكون كاتبة …
لا الكاتبة التي تقف في منطقة آمنة، وتكتب ما يحبه الجميع، ثم تعود إلى بيتها نظيفة من الخصومات؛ بل الكاتبة التي تمشي بين الألغام، وتقول ما تراه حقا ولو لم يكن كاملا، ثم تراجعه، وتنضج، وتتراجع عن بعضه وتعتذر، وتدفع ثمن كل مرحلة من عمرها كأنها لم تكن مجرد أفكار، بل اعترافات علنية أمام محكمة لا تهدأ….
خُلقتُ، فيما يبدو، بتركيبة لا تساعد صاحبها على الراحة:
– قلبٌ يريد أن يُرضي الله، وعقلٌ لا يكفّ عن السؤال….
– نزعةٌ إلى الثورة، وخوفٌ عميق على ما تبقى من الأوطان….
– رحمةٌ بالمظلوم، وحذرٌ من أن يتحول المظلوم حين يمتلك القوة إلى ظالم جديد….
– توقٌ إلى الحرية، وإيمانٌ بأن الحرية التي تهدم الدولة قد تترك الناس أسرى للفوضى….
– انحيازٌ إلى الأمة، وإصرارٌ على أن الوطن ليس تفصيلا صغيرا في الطريق إليها..
– حبٌّ لفلسطين لا يحتاج إثباتا، وحبٌّ للأردن والسعودية وبقية الدُول الإسلامية القائمة لا أسمح لأحد أن يجعله موضع اتهام أو مساومة….
ولذلك سأبدو متناقضة لمن يقرأ عناويني، لا رحلتي….
-سيراني أحدهم معارضة حينا، ووطنية حينا..
-قاسيةً في موضع، شديدة اللين في موضع آخر…
-سيراني من يؤمن بالثورة متراجعة
– ومن يؤمن بالصمت متمردة
– ومن يريد كاتبا يوافقه دائما- سيراني امرأةً لا يمكن الوثوق باتجاه بوصلتها…
= لكنني أعرف سر هذه البوصلة:
إنها لا تشير إلى الأشخاص، ولا إلى الجماعات، ولا إلى التيّارات ولا إلى الشعارات التي تتغير بتغير المصالح؛ إنها تحاول، بكل ارتباكها البشري، أن تشير إلى الحق كما أراه في لحظته، ثم تملك الشجاعة لتصحح اتجاهها حين ترى ما لم تكن تراه….
أنا لا أستحي من تغيُّري…
فالجماد وحده لا يُراجع نفسه، والميت وحده لا تتبدل رؤيته للواقع والأحداث والأشياء ..
أما الإنسان الحي فيدفع من كبريائه ثمنا كلما اتسعت معرفته….
وقد قلت يوما كلاما كنت أراه حقا ..
ثم علّمتني الوقائع أن الحق أوسع من عبارتي، وأن العالم لا يُدار بنقاء الأمنيات…
وأن إسقاط الشر لا يعني دائما ولادة الخير ..
وأن بعض الذين يرفعون رايات الخلاص قد يحملون في داخلهم بذور استبداد جديد.
* تعلمتُ أن بناء الدول أعقد من الهُتاف ضدها، وأن الأمن الذي يسخر منه الآمنون يصبح أمنية مستحيلة حين يفقدونه، وأن المؤسسات الناقصة يمكن إصلاحها، أما الفراغ فتملؤه البنادق، والطوائف، والميليشيات، وتُجّار الدم !
لذلك صرتُ أخاف على الدولة حتى وأنا أنتقدها، وأنتقدها لأنني أخاف عليها…
– أدافع عن الوطن الخاص، لا لأنني أراه كاملا، بل لأنني أعرف أن الأوطان لا تُحب بسبب كمالها، كما لا تُحب الأم لأنها لم تخطئ قط….
الوطن يُحب لأنه الوعاء الذي نحاول إصلاحه من داخله؛ البيت الذي قد نختلف على أثاثه، لكن العاقل لا يحرقه فوق رؤوس أبنائه.
ومع ذلك، أنا لست تلك المرأة الصلبة التي تتخيلونها خلف المقالات.
* كل من عرفني عن قُرب سيقول لكم – غالبا :
– إن هذه المرأة التي تخوض المعارك الكبرى في الكتابة، قد تهزمها كلمة صغيرة من شخص تحبه…
– وإن التي تكتب عن الدول والمشروعات والحضارات والصراعات والحروب قد تبكي لأن أحدهم تغيّر صوته معها في مُكاملة …
– وإن التي تبدو في المنابر حاسمة، تمضي نصف حياتها تسأل نفسها:
هل ظلمت أحدًا؟ هل قسوتُ في ردّي على فلان؟ هل قلتُ أكثر مما ينبغي؟ هل كان الصمت أنبل؟
– سيقولون لكم بأنني، على الرغم من كل ما كتبته عن القوة والكبرياء والشموخ والعزّة، غلبانة وطيبة وعلى باب الله…
– وقد يظن بعضهم أن هذه سذاجة، لكنني لم أعد أخجل منها….
فما قيمة أن ينتصر الإنسان في كل الجدالات ثم يخسر الجزء النظيف من روحه؟
وما نفع الذكاء إن كان يجعل صاحبه أقل رحمة، أو أكثر قدرة على إيذاء الذين وثقوا به؟
أنا ابنة الفلاحين المنسيين في القُرى الأردنية البعيدة …
أنا ابنة تناقضات كثيرة:
– أريد أن أكون معروفة، ثم أتعب من أن يراني الناس…. فأعتزل الجميع مع محبّتي الخالصة للجميع ..
– أكتب كي أشرح نفسي، ثم تجعلني الكتابة أكثر غموضا….
– أريد أن أصل إلى أصحاب القرار وأؤثّر فيهم، لكنني أخشى أن أصبح جزءا من جوقة التصفيق….
– أحب التأثير في الناس والواقع، وأرتعب من مسؤولية أن يصدقني أحد… فيخذله رأيي..
– أحلم بمشروعات كبرى ومراكز أبحاث وبرامج ومؤسسات، ثم قد أفرح برسالة تقول إن مقالةً لي أعادت الأمل إلى شخص واحد خذلته زوجته بعد رُبع قرن من زواج مستقرّ …
– أفكر في كسب المال.. نعم .. وأطمح في الاستقلال المادي والنجاح، لكنني لا أريد نجاحا يجعلني مَدينة لأحد أو مضطرةً إلى بيع صوتي وقلمي لأي جهة أو وعد…
-أطمح إلى أن أكون قوية بما يكفي لأغيّر الواقع، وأدعو الله في سرّي أن أبقى ضعيفة أمام الحق، وألا تمنحني القوة قلبا لا أعرفه….
قلبا لا يُشبه قلب إحسان بنُسختها الأولى..
لم يكن قلبي يُشبه قلوب السياسيين… ولا قلوب الكُتّاب الذين يتقنون الخصومة أكثر مما يُتقنون الرحمة….
كان قلبي يُشبه تلك الطفلة الصغيرة التي ربّتها جدّة قروية لا تعرف الفلسفة، لكنها كانت تحمل من الحكمة ما تعجز عنه مكتبات بأكملها….
كانت كلما أرادت أن تختصر معنى صفاء النيّة، قالت بلهجتها البسيطة:
“أريدلك… أريدلك… بس الموت ما أريدلك.”…
لم تكن تعرف أنها بذلك كانت تضع أول تعريف لفروسية القلب الذي لا ينتظر مقابلا، ولا يطلب انتصارا، ولا يتمنى الهزيمة لأحد….
هناك… في ذلك البيت الطيني البسيط في الحيّ الشرقي في كفرأبيل، تعلّمت أن الإنسان قد يغضب، لكنه لا يتمنى أن يعيش خصمه ألم الفقد…
وأن الخصومة لا تُسقط الدعاء وأمنية الخير حتى لمن تختلف معهم….
وأن الاختلاف لا يُسقط الرحمة…
وأن القلوب الكبيرة تستطيع أن تقول: “لقد أوجعتني…” ثم ترفع يديها إلى السماء قائلة: “اللهم احفظه.. ولا تضرّه.”…
ربما لهذا لم أستطع يوما أن أكون قاسية كما أرادني بعض الناس…
كنت أتعلم الكتابة في عالمٍ يكافئ القسوة، بينما كانت جدتي، دون أن تدري، تزرع في داخلي قلبا لا يعرف كيف يتشفى بأحد….
وكلما حاولت الحياة أن تجعلني أصلب، كانت تلك الجملة القديمة تعود من مكان بعيد، لتسحبني من حافة القسوة:”أريدلك… أريدلك… بس الموت ما أريدلك.”…
واليوم، بعدما كبرت، وها أنا اقتربت من الخمسين… أدرك أن جدتي “طيب الله ذكرها ومقامها “.. لم تكن تعلمني كيف أحب الناس فقط…
كانت تعلمني كيف أبقى إنسانة، حتى وأنا أختلف معهم.وربما لهذا، مهما اشتدت معاركي الفكرية، ومهما قيل عني، ومهما اتُّهمت أو ظُلِمت، بقي في داخلي شيءٌ لا أريد له أن يموت…
تلك الطفلة الطيبة التي كانت تظن أن الخير الذي تمنحه للناس سيعود إليها يوما من طريق لا تعرفه….
ربما يظن الناس أن الذي صنعني هو ما قرأته من كتب… لكن الحقيقة أن أكثر ما صنعني امرأة لا تُجيد الكتابة شقيقة الأخ الوحيد “طعمة الحسن الفقيه” عليه رحمة الله .. والذي كان لا يختلف عنها نقاء ونُبلا ورفعة ..
لم تترك لي مالا ولا شهادة، بل تركت لي جملة واحدة… وما زلت أعيش على معناها حتى اليوم:
“أريدلك… أريدلك… بس الموت ما أريدلك.”…
أنا أردنية حين يصبح الأردن موضع مزايدة ..
وعربية حين تُراد لنا الحدود سجونا للكراهية..
ومسلمة حين يُختزل الإسلام في جماعة أو شعار أو مظهر…
وإنسانة حين يحاول بعضهم أن يقنعني بأن الرحمة خيانة للموقف….
لا أرى تناقضا في أن أحب بلدي وأتعاطف مع غيره، ولا في أن أرفض المشروع الإيراني والصهيوني معا.. وأرفض في الوقت نفسه أن تتحول كراهيته إلى صك براءة لكل خصومه، ولا في أن أفهم مصالح الدول من دون أن أعبدها، أو أن أحترم القانون الدولي من دون أن أتخيل أنه عادل دائما…
لقد تعبت من العقول التي لا ترى إلا معسكرين:
معنا أو ضدنا، ملاك أو شيطان، وطني أو خائن، مؤمن أو منافق….
فالإنسان أعقد من لافتة، والسياسة أوسع من تغريدة، والتاريخ لا يكتبه الطاهرون تماما ولا الأشرار تماما، بل بشرٌ مختلطون، يصيبون ويخطئون، ويبنون بأيدٍ قد هدمت، ويهدمون أحيانا وهم يظنون أنهم يصلحون….
وأنا واحدة من هؤلاء البشر.
لستُ قديسة، ولا أدّعي العصمة، ولا أقدم سيرتي بوصفها رحلة مستقيمة من اليقين إلى اليقين…..
إنها رحلة من سؤال إلى سؤال، ومن اندفاع إلى مراجعة، ومن انكسار إلى كتابة، ومن كتابة إلى انكسار جديد…..
– كل خيبة جعلت لغتي أعمق.
– كل اتهام أجبرني على معرفة نفسي أكثر.
– كل صديق فهمني أعاد إليّ جزءا مني ظننته مات….
– كل خصم أساء إليّ كشف لي موضعا في روحي يحتاج إلى تهذيب…
– كل بلد سكنتُ فيه ترك في لغتي نافذة…..
– كل فقدٍ مر بي أخذ شيئا مني، لكنه فتح في داخلي غرفة جديدة لفهم أحزان الناس.
ولهذا لا أكتب من برج عاجي…. رغم أني أعيش عزلتي بعيدة عن همهمات الناس وفضولهم ..
أكتب من قلب الحياة: من البيت حين يضيق، ومن الحب حين يصير امتحانا
ومن الغيرة حين تكشف ضعف الإنسان
ومن الفقد حين يصبح الصمت أثقل من الكلام
ومن الجسد حين يذكّرنا بأننا لسنا أفكارا تمشي على قدمين
ومن الطموح حين يصطدم بالوقت والمال والعمر
ومن الإيمان حين لا يكون جوابا جاهزا … بل حبلًا نتشبث به ونحن نعبر مناطق لا نفهمها….
ربما لهذا وصلت كلماتي إلى كثيرين….
ليس لأنني أعرف أكثر منهم، بل لأنني أتألم أحيانا بالطريقة التي يتألمون بها ولا يستطيعون وصفها…
أجد العبارة التي كانت محبوسةً في صدورهم، فأكتبها، ثم يسألون بدهشة:
كيف عرفت هذا عني؟
والحقيقة أنني لم أعرفهم….
لكن الجرح الإنساني واحد، وإن اختلفت أسماؤه.
وربما كانت هذه مهمتي فعلا:
– أن أحوّل الفوضى التي في داخلي إلى معنى ينتفع به غيري..
– أن آخذ الأسئلة التي أرهقتني، وأصوغ منها مصباحا لشخص يمشي في عتمته
– أن أستخدم ما كسرني لا لأكسر به الناس، بل لأفهمهم..
– وأن أجعل من تناقضاتي جسرا بين المتخاصمين..
لأن من عاش في جهتين من الفكرة يستطيع أحيانا أن يرى ما لا يراه المقيمون في جهة واحدة….
سيظل بعضهم يتهمني بالتناقض، ولا بأس.
فأنا لا أكتب عقد ولاء لنسخة قديمة مني….
أنا مَدينة للحقيقة، لا لأرشيفي الشخصي.
وإن كان ثمن النضج أن يقولوا إنني تغيرت أو مُتناقضة أو غير مفهومة،
فسأقول:
نعم، تغيرت؛ لأنني رأيت، وقرأت، وخسرت، ونجوت، وأخطأت واعتذرتُ وتعلمت أن الإنسان الذي لا تغيّره الحياة… لم يعشها حقا…
لكن خلف كل هذه التحولات ستبقى أشياء لا تتغير:
– أنني لا أريد الشر لأحد.
– وأنني أخاف على الأردن وعلى كل وطن من أوطانكم كما يخاف المرء على بيته في ليلة عاصفة….
– وأنني أرى في الكلمة أمانة قد تنقذ إنسانا أو تهدمه….
– وأنني مهما بدوت حادة في ردودي على بعض الرسائل التي لا تليق بي أو يستهين أصحابها بمنزلتي أمام نفسي، فإن أكثر معاركي شراسةً هي مع نفسي….
– وأنني، بعد كل الشهرة والكتابة والاتهامات والمواقف، ما زلت تلك المرأة التي تريد أن يطمئن قلبها، وأن يرضى عنها ربّها وأن يختم لها بالصالحات وأن تترك وراءها كلمات كانت أرحم بالناس من العالم المُشوّه الدنيء.
ربما اختيرت جيناتي فعلا لهذه المهمة:
أن أكون عالية الصوت حين يجب الكلام، وصامتة حين يصبح الكلام فتنة…
أن أعارض حين يكون التصفيق خيانة، وأن أدافع حين يصبح الهدم بطولة زائفة.
أن أكون مفهومة للقلوب، ملتبسة على التصنيفات.
أن أبدو قويةً أمام الجمهور، ثم أعود إلى الله بكل ضعفي….
أن أحمل وطنا في قلبي، وأمة في ضميري، وإنسانا صغيرا خائفا في أعماقي.
وأن أمضي في هذه الحياة كما أنا:
كاتبةً تتهمها المعسكرات والتيارات كلها، لأنها لم تُخلق لتكون صوت مُعسكر أو ناطقة باسم تيّار؛ بل لتبحث، ما استطاعت، عن الكلمة التي تنقذ الإنسان، وتحفظ الوطن، وترضي الله….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة