يا أبناء الأردن…
قبل أن يقول كلٌّ منكم كلمته، تذكّروا أن هذا الوطن يتّسع لنا جميعا؛ وأننا مهما اختلفنا في الرأي، فإن الأردن ليس طرفا في خلافنا، بل هو البيت الذي يجمعنا جميعا…
في كل أزمة يمر بها الأردن، أكتشفُ أن أخطر ما يحدث ليس اختلاف الآراء… وإنما أن يتحول اختلاف الرأي إلى اختلاف على الوطن نفسه….
فجأة يصبح من يخالفني في موقف سياسي أقل وطنية مني….
وفجأة يصبح من يختلف معي في قراءة العلاقات الدولية مُتهما في انتمائه بل وصهيوني وعميل !
وفجأة تتحول السياسة إلى محكمة، والوطنية إلى صكوك يوزعها الناس على بعضهم بعضا….
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي….
* هناك فريق يقول:
– إن أمريكا لا تقدم مساعداتها للأردن مجانا، وبأن لها سياسات في المنطقة يرفضها، وأن من حقه أن يعترض على وجود قواعد عسكرية أجنبية أو على أي نفوذ خارجي….
وأقول لهم:
من حقكم أن تختلفوا سياسيا، وأن تنتقدوا أي دولة في العالم، فالوطنية لا تعني أن يتوقف العقل عن التفكير، ولا أن يتحول المواطن إلى مُكرِّر أو ببغاء لما يسمع.
لكن لا تجعلوا من كل مُخالف لكم عميلا أو خائنا أو مرتزقة أو مأجورا…
فالنِيّات يعلمها الله، والأوطان لا تُبنى بالتخوين….
* وهناك فريق آخر يقول:
إن الأردن دولة لها تحالفاتها، وإن العلاقات الدولية تُدار بالمصالح، وإن الدولة هي صاحبة القرار في اتفاقياتها وتحالفاتها….
وأقول لهم:
هذا أيضا رأي سياسي مشروع….
لكن لا تجعلوا من كل مُعترض على أمريكا أو على سياساتها مُتهما بأنه ضد الأردن، أو أنه لا ينتمي لهذا الوطن….
فالخلاف مع دولة أجنبية لها سوابق إجرامية ليس خلافا مع الأردن…
والحب للأردن لا يحتكره تيار، ولا حزب، ولا اتجاه.،،،
وهناك من يربط الوطنية بالرقم الوطني…
وهناك من يربطها بالأصل والمنبت….
وهناك من يربطها بالموقف من أمريكا….
وهناك من يربطها بالموقف من فلسطين….
والحقيقة…
أن الوطنية أوسع من كل ذلك….
الوطنية ليست اسم عائلة…. وليست مدينة… وليس لهجة أو لَكنة.. او تشاء مُعطّشة أو طاء قُلب تاء او قاف قُلبت ألف..
الوطنية ليست منبتا .. وليست شعارا يُلوّح به صاحبه بتعالٍ مريض كل صباح.
** الوطنية هي أن تحزن إذا حزن الأردن….
وأن تخاف إذا خاف الأردنيون…
الوطنية أن تفرح إذا نهض الأردن…
وأن ترفض كل خطاب مُهين يجرح الأردن أو يُمكن أن يمزق أبناءه…
لقد كان الراحل الحسين بن طلال عليه رحمة الله يردد دائما:
“الأردنيون من شتى الأصول والمنابت.” … ولم تكن عبارة بروتوكولية.
كانت فلسفة دولة….
لأن الدولة تعرف أن قوتها ليست في أن يصبح الناس نسخة واحدة…
بل في أن يبقوا مُختلفين… لكنهم يجتمعون عندما يُذكر الأردن ..
فالخلافات السياسية قد تتبدل، والمواقف قد تتغير، أما الوطن فلا ينبغي أن يكون طرفا في الخصومة …
لأنه الأم التي تأوي الجميع، والبيت الذي يسع الجميع، والهواء الذي يتنفسه الجميع، والتراب الذي لا يسأل من يسير فوقه عن أصله، بل يطلب منه شيئا واحدًا: أن يحفظه كما حفظه….
قد نختلف على أمريكا… عادي ..
ونختلف على إيران…. أيضا عادي ..
وقد نختلف على تصريحات مُستفزة من المقاومة… عادي..
وقد نختلف على السياسات.،،،
ونختلف على الاقتصاد…
ونختلف على الحكومات…. والوزراء والتعيينات ..
لكن…
يجب ألا نختلف على الأردن.
ولا يجوز أن يصبح الخلاف السياسي سببا ليشعر أردني بأنه أقل انتماء من أردني آخر….
لقد امتزج هذا التراب بدماء رجال لم يسألوا بعضهم يوما:
من أين أصلك؟
بل كانوا يسألون سؤالا واحدا:
من يقف معي لأدافع عن هذا الوطن؟
في معارك الكرامة، لم تكن الرصاصة تسأل عن الأصل…
وفي مؤتة، لم تكن الأرض تفرق بين اسم وآخر….
وعندما يلتفُّ الأردنيون حول جيشهم وقيادتهم وأمنهم، لا يلتفون لأنهم متشابهون…
بل لأنهم يعرفون أن بقاء الدولة هو الضمان الوحيد لبقاء الجميع.
أيها الأردني العزيز الكريم الطيب…
إذا وجدت نفسك يوما تكتب تعليقا قد يجعل طفلا أردنيًا يشك في أنه أقل انتماء من غيره لهذا التراب….. فامسحه بربّك .. !
وإذا وجدت نفسك تكتب عبارة قد تزرع الكراهية بين أبناء الحي الواحد أو المدرسة الواحدة أو العائلة الواحدة… فاحذفها دون تردُّد. !
فقد تكسب جدلًا على مواقع التواصل… نعم .. وقد يُصفّق لك البعض.. ويهتفون ..
لكنك ستخسر حجرا من جدار الوطن….
الأردن لم يَبْنِه المتشابهون… بل بناه رجال ونساء اختلفت أصولهم، ولهجاتهم، ومُدنهم، وحتى آراؤهم السياسية، ثم اتفقوا على شيء واحد:
أن هذا الوطن أكبر منهم جميعا ..
وسيظل الأردن قويا ما دمنا نختلف تحت سقفه… لا عليه….
ونتنافس في خدمة ترابه… لا في توزيع شهادات الانتماء.
فالأوطان لا تموت بسبب كثرة المختلفين…
وإنما تموت عندما ينسى المُختلفون أنهم أبناء وطن واحد….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة