ذلك ليس وعدا إلهيا بالمعرفة المباشرة، بل وعد ببصيرة تراكمية تتكون طبقة بعد طبقة، حتى يُفتح للمرء باب لم يكن يراه وهو إلى جواره…
ليس الفرقان مجرد بصيرة تُلقى في قلب المؤمن كما يُلقى حجر في ماء، بل هو ثمرة زمن طويل من التهذيب الباطني، وصحبة الطاعة، ورياضة النفس….
لذلك لا تتحرك الممارسة الدينية على مستوى واحد، ولا تفتح للجميع النوافذ ذاتها…
لأن الدين ليس طقسا جامدا، وإنما هو سُلم صاعد تتفاوت درجاته كما تتفاوت مدارج النور في قوله تعالى: “نور على نور”….
فمن كان في أول الدرجات رأى ظاهر الحكم، ومن ارتقى قليلا رأى حكمته، ومن بلغ من التهذيب غايته رأى معناه وأثره في النفس والكون…
وقد أدرك الحكماء هذه الحقيقة منذ القدم…
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لو كُشِف لي الغطاء ما ازددت يقينا”. ..
تلك كلمة لا يقولها من يكتفي بالطقوس، بل من بلغ في الممارسة الروحية مقاما جعل الغيب كالعيان….
فالمعرفة هنا ليست تلقيًا ذهنيا، بل هي تَخلّق داخلي ينساب في القلب كما ينساب الماء في الجداول، حتى يصبح الإنسان قادرا على تمييز الحق من الباطل ببصيرة لا تخطئ، وكأنه يستضيء بمصباح داخلي صنعته الطاعة.
ولأن الممارسة الدينية درجات، فإن الكلمة الواحدة لا تتجلى للجميع بالتجلي ذاته. النص واحد، ولكن العيون مختلفة…
الآية الواحدة قد تكون عند بعض الناس حكما فقهيا،
وعند آخرين فلسفة وجودية،
وعند بعض القلوب نورا يبدل حياة كاملة…
قال الجنيد رحمه الله: “الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق”،
لأن كل نَفَس يحمل استعدادا خاصا، وكل استعداد يفتح بابا مختلفا من أبواب الفهم.
وهكذا تتنوع الأذواق الروحية كما تتنوع مستويات السمع…
فهناك من يسمع صوت الناي فلا يدرك إلا النغمة، وهناك من يسمع خلف النغمة حزنا عميقا لا يتجلى إلا لأصحاب السمع المصفى…
وكذلك هي النصوص الدينية، ظاهرا وباطنا، حكما وحكمة، إشارة وسرا…
ولا يحصل هذا التعدد إلا لمن صقل نفسه بالمجاهدة حتى أصبحت النصوص تتجلى له كما تتجلى النجوم لعين رأت الليل طويلا.
فالممارسة الدينية الحقّة لا تكتفي بتأدية الطقوس، بل تفتح بوابة معرفة لا تُنال بالذكاء وحده ولا بالثقافة وحدها…
إنها معرفة يشترك فيها العقل والقلب والسلوك…. وكلما ازداد المرء اتقاء وصدقا وتجردا، ازداد نصيبه من الفرقان، ذلك الذي يهب الإنسان قدرة على رؤية ما وراء الألفاظ، وما خلف الظواهر، وما تحت طبقات النفس.
وحين ترتقي الروح في هذه المراتب، يصبح القول الواحد ذا طبقات لا تنتهي…
تتسع مع كل درجة، وتتعمق مع كل تجربة، حتى يصبح الدين نفسه رحلة مستمرة نحو فهم أعمق وأبعد، رحلة لا يخوضها إلا من طهرت له المسالك وانفتحت له أبواب المعرفة الداخلية.
وهنا فقط يتحقق الوعد الالهي العظيم: فرقان يفرق بين الغث والسمين، بين السراب والحقيقة، بين الصوت والجوهر….
فرقان يصنعه الله في قلب من صدق، لا في عقل من جمع المعلومات….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة