لم أقترب من موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة من زاوية الإثارة، ولا من ثقافة الابتذال التي حوّلت الجسد إلى مادة استهلاكية، ولا من ضيق الخطاب الذي يحصر المسألة في المسموح والممنوع والحلال والحرام وقلّة الأدب وانعدام الحياء.. دون نظر إلى عمقها الإنساني.
اقتربتُ منها كما ينبغي أن يُقترب من القضايا الكبرى: من خلال الفلسفة، ومن خلال هدي الوحي، وكُتب أهل السلف والسابقين الصالحين، ومن خلال قراءة الإنسان قبل قراءة الجسد.
فالتراث الإسلامي، في أجزائه المُضيئة، لم يكن يخجل من تناول مسائل العلاقة بين الرجل والمرأة إذا اقتضى المقام، ولم يكن يدفنها تحت ركام الحرج، بل كان يضعها في سياقها الشرعي، والإنساني، والأخلاقي…
قرأ علماؤنا هذه الموضوعات بجرأة العلم ووقار الإيمان؛
-تحدّث ابن القيم عن أثر المحبة الصادقة في النفوس،
-وبسّطَ الغزالي الكلام في تربية الشهوة وتزكيتها لا قمعها،
-وذكر ابن حزم دقائق المشاعر في “طوق الحمامة” دون ابتذال ولا إسفاف…
كانوا يدركون أن الإنسان كلّ لا يتجزأ، وأن فهمه لا يكتمل ما لم يُنظر إليه بجسده وروحه وعقله جميعا، في توازن لا يختل، وفي ضوء يطهّره من الغرائز المنفلتة ومن التعقيدات الثقافية على حدّ سواء…
ولذلك لم يكن الحديث عندهم عن العلاقة الزوجية فعلا جسديا، بل بابا من أبواب السكينة، وفرعا من فروع مقاصد الشرع في حفظ النفس والعرض والمودة، ووسيلة لقيام الأسرة التي هي نواة العمران…
**الفلسفة لا تنظر إلى العلاقة الزوجية كأداء بيولوجي، بل كجزء من هوية الإنسان، من وعيه بذاته، من خوفه ورجائه، ومن قدرته على منح الطمأنينة للآخر…
إنها لحظة تخرج فيها النفس من قشرتها، وتتكشف فيها طبيعة الروح حين تلتقي بروح أخرى.
وحين قرأتُ ما كتبه فلاسفة كبار مثل: “فوكو”، أدركت أن المشكلة ليست في “الفعل” نفسه، بل في منظومة الرقابة والخوف التي تُنشئها الثقافة حوله…
وحين قرأتُ ما كتبته “سيمون دي بوفوار” عن الجسد، فهمتُ أن الصراع الحقيقي ليس بين الرجل والمرأة، بل بين الإنسان وصورته التي صاغها المجتمع.
ولكنني، في كل تلك القراءات، كنت أعود إلى مرجعي الأول:
إلى قول الله تعالى:
“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”
-فالعلاقة ليست غريزة مجردة، وليست عقدا اجتماعيا باردا، بل هي سكن ورحمة، وسعي لتمام النفس.
اكتشفتُ أن العلاقة داخل الزواج، كما تمارسها ثقافتنا أحيانا، تتحول إلى واجب يؤديه الزوجان بلا وعي، إلى طقس لا يحمل روح القرب، ولا صدق الشوق، إلى ممارسة تخضع لمنطق العادة لا لمنطق المحبة…
وأن كثيرا من البيوت لا ينقصها “الحلال”، بل ينقصها “السكينة”…
وفي المقابل، فإن العلاقة التي تولد من محبة صادقة، داخل إطار مشروع، تختلف؛
لأنها تقوم على الرغبة التي تحركها الطمأنينة، لا على الخوف من نظرة الناس…
على الصدق، لا على الأدوار…
على اللقاء الروحي قبل اللقاء الجسدي…
*لماذا على الفكر العربي أن يُعيد النظر؟
– لأننا نفكر في العلاقة فقط من زاوية الحلال والحرام وحسب..
ونفكر في الزواج كإجراء اجتماعي فقط ..
وأغلب الأحيان؛ لا نفكر بما يكفي في الإنسان نفسه:
-في حاجته إلى السكن،
– إلى الاحترام،
-إلى الطمأنينة،
-إلى علاقة تُشعره بأنه مرئي، محبوب، مقبول، في مرمى اهتمام أحدهم وأشواقه ..
الفلسفة، حين تُصاغ بروح الأخلاق، لا تهدم الدين، بل تُعمّق فهمه.
تُعيد تعريف الجسد بوصفه أمانة لا مادة ..
وتُعيد تعريف العلاقة بوصفها سكنا لا غريزة ..
وتُعيد تعريف الحرية بوصفها صدقا، لا انفلاتا ..
فالحرية الحقيقية ليست غياب الضوابط، بل غياب الخوف…
لذلك أنا لا أكتب في هذه المسألة لأصدم احدا، ولا لأهدم جدار الحياء، بل لأقول:
إن الكلام في “الجسد” ليس عيبا لمن حفظه ..
وإن الرغبة ليست خطيئة إذا وُجّهت بحلال ..
وإن الزواج ليس مجرد عقد، بل مشروع سكن ورحمة ..
وإن الحب، حين يتوشّح بالأخلاق، يصنع علاقة تليق بالإنسان الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات…
*الفلسفة هنا ليست رفاهية فكرية، بل أداة لفهم أعمق للنفس ..
لكي نستعيد حقنا في أن نُفكر ..
حتى في المسائل التي قيل لنا فيها طويلا:
“لا تفكروا فيها” !
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة