حين يُقال إن الوجه مرآة الروح، فالمقصود ليس تفاصيل الملامح بقدر ما هو أثر الداخل حين يطفو بلا استئذان…
فالنفس تكتب سيرتها على تقاطيع الوجه كما تكتبها على نبرة الصوت واختيارات الكلمات واتجاهات السلوك…..
هناك وجوه يمر عليها الزمن فتزداد سكينة لأن أصحابها صالحوا أنفسهم والناس، وهناك وجوه تزداد قسوة لأن في الداخل نارًا لم تُطفأ: حسد، أو غل، أو شهوة خصومة…
وكذلك الكلمات ليست مجرد حروف تُنطق، بل آثار نيات تمشي على ألسنة أصحابها؛ فمن صفا قصده صفا منطقه، ومن فسدت سريرته اشتغل لسانه بما يكدّر صفو غيره.
أخطر ما يهدد العلاقات ليس الخلاف الطارئ، بل العقل الذي يتغذى على التنقيب…
ذلك الذي لا يحتمل رؤية قلوب متفاهمة وأهل متقاربين، فينصرف عن الحاضر الحيّ إلى الماضي الميت، يفتش في العبارات القديمة، ويقتطع الجمل من سياقها، وينزع الكلام من زمنه، ثم يعيد تقديمه كسلاح جديد….
هو لا ينقل حقيقة، بل يعيد تصنيع فتنة….
لأن الكلمة ابنة سياقها، والزمن جزء من معناها، والحوار الطويل لا يُختزل في سطر مبتور إلا عند من يريد الإشعال لا الفهم….
اقتلاع عبارة من سياقها يشبه اقتلاع صفحة من كتاب ثم الادعاء أنك قرأت الرواية.
العلاقات العائلية لا تبقى متماسكة لأن الماضي كان نقيّا من الخطأ، بل لأنها نضجت بما يكفي لتتجاوز، ولأن أهلها اختاروا أن يعطوا الحاضر فرصة أكبر من أخطاء الأمس….
النضج ليس أن لا نخطئ، بل أن لا نُقيم محاكم دائمة لما تجاوزه الزمن…
أما من يعود إلى الأرشيف كلما رأى وئاما وسلاما ومودّة بين أبناء العائلة الواحدة، فليس حريصا على الحقيقة كما يدّعي، بل منزعج من السلام نفسه…
بعض النفوس لا تشعر بقيمتها إلا إذا كانت وسيط نزاع، ولا ترى دورها إلا في توسيع الشقوق….
هؤلاء لا يحتملون مشهد القلوب المتصالحة لأن الصلح يفضح خواءهم الداخلي.
ليست الأمانة أن تنقل كل ما قيل، بل أن تفهم كيف قيل ولماذا قيل ومتى قيل. وليست الحكمة أن تُذكّر الناس بما قالوه في لحظة انفعال، بل أن تحترم ما صاروا إليه بعد وعي ومراجعة وتصحيح….
قال أهل الحكمة قديما: إن الكلمة إذا خرجت من فمك صارت سيدتك، وإن بقيت فيه بقيت سيدها.
ومن يجعل من الكلمات القديمة وقودا لحرائق جديدة، فهو أول من سيختنق بدخانها، لأن نار الفتنة لا تعرف صاحبها حين تتمدد.
النفوس النظيفة تميل إلى البناء بطبعها؛ تجمع الخيوط ولا تقطعها، وتلتمس أحسن المخارج لا أشدها…
أما النفوس المريضة بالضغينة فتتغذى على التفريق، وتتلذذ بدور الناقل المثير، وتظن نفسها كاشفة للحقيقة وهي في الواقع كاشفة لنيتها فقط…
لذلك لا يُقاس صدق الناقل بكمّ ما ينقل، بل بغاية النقل:
-هل أراد إصلاحا أم إفسادا، تقريبًا أم تحريشا، فهما أم فضيحة ؟!
السلام يُبنى بصبر، والفتنة تُشعل بكلمة دنيئة مهما كان هدوء ناقلها….
وبين من يحمل الماء ومن يحمل الشرر يظهر الفرق الحقيقي بين معدن ومعدن.
ومن صفا وجهه صفا قصده، ومن أظلم داخله أطال الوقوف في مرايا الماضي يبحث عن شرارة، بينما أهل النور مشغولون بإضاءة الحاضر….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة