سبحان الله…
لم تعد دوائر صنع القرار الدولي غرفًا مغلقة تُدار فيها الحسابات الثقيلة، بل تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه غرف الأخبار العاجلة؛ تلاحق الحدث بدل أن تصنعه، وتُعلّق على الوقائع بدل أن تُغيّر مسارها….
السياسة اليوم لا تُنتَج، بل تُعاد صياغتها لغويا، ثم تُضخّ للرأي العام على شكل مواقف جاهزة، بلا رؤية طويلة، ولا التزام أخلاقي، ولا ذاكرة.
منذ تلك اللحظة الفاصلة في أواخر العقد الأول من الألفية، حين اعتلى باراك أوباما المسرح العالمي محمولا على خطاب الحلم، تغيّر شيء عميق في بنية القرار الغربي. لم يكن التغيير في السياسات فقط، بل في الفلسفة نفسها: وعود كبرى بلا كلفة، خطابات أخلاقية بلا ترجمة، وطمأنة الحلفاء بالكلام، وتركهم يواجهون الواقع وحدهم بالفعل.
كان عصرًا يُدار فيه العالم بالتصريحات، وتُدار الأزمات بالانتظار، ويُعاد تعريف الفشل على أنه “تعقيد”.
في تلك الحقبة، أُعيدت صياغة مفاهيم أساسية:
لم يعد الانسحاب هزيمة، بل “إعادة تموضع”.
ولم يعد ترك الفراغ خطأً استراتيجيًا، بل “إتاحة فرصة للأطراف المحلية”.
أما الميليشيات، فصارت فجأة “قوى أمر واقع” تستحق الفهم، وأحيانا الاحتواء، وأحيانًا الإشادة غير المباشرة، طالما أنها تُخفّف عبء التدخل عن العواصم البعيدة !!
الأوروبيون، في جوهر المقاربة، لم يكونوا نقيضا لهذا المسار، بل امتدادا أكثر تهذيبا له. الفرق الوحيد كان في اللغة لا في النتائج.
حيث يتحدث الأميركي عن “المصالح”، يتحدث الأوروبي عن “الاستقرار”…
وحيث يبرر الأول الصمت بالواقعية، يبرره الثاني بالقيم. لكن الحصيلة واحدة: إعجاب علني أو ضمني بقوى مسلحة لا تحمل مشروع دولة، فقط لأنها تؤدي وظيفة مؤقتة، أو تضبط مشهدًا فوضويًا، أو تؤجل الانفجار إلى ما بعد دورة انتخابية هنا أو هناك.
في الواقع الحالي، تبدو الصورة أوضح وأكثر فجاجة….
العالم الذي كان يدّعي امتلاك بوصلة أخلاقية، يتعامل اليوم مع المآسي بمنطق إدارة الأضرار لا منعها، ومع الشعوب بمنطق الأرقام لا الكرامة….
تُدان الكارثة إذا خرجت عن النص، وتُحتوى إذا التزمت به…
المهم ألا تُحرج الخطاب، وألا تُربك السوق، وألا تُفرض قرارات تتطلب شجاعة سياسية حقيقية…
ما نعيشه اليوم ليس غيابا للمعلومات، بل فائضا في التبرير…
ليست المشكلة أن القرار الدولي لا يرى، بل أنه يرى ويختار أن يُعلّق بدل أن يتدخل، وأن يُحلّل بدل أن يحسم، وأن يكتفي بدور “المراقب القَلِق”…
وهكذا، تُترك المنطقة لتدفع كلفة التردد العالمي، بينما تُقدَّم المواقف على شكل بيانات أنيقة، تُشبه الأخبار أكثر مما تُشبه السياسات…
الخطر الحقيقي في هذا المسار أنه يُطبع اللامسؤولية، ويُحوّل الفشل إلى نمط حكم، ويُقنع العالم بأن إدارة الفوضى أقل كلفة من حلّها. لكن التاريخ لا يرحم هذا النوع من الحسابات…
كل فراغ تُرك بالأمس، عاد اليوم أزمةً مضاعفة…
وكل ميليشيا صُفّقت لها مرحليًا، تحوّلت لاحقًا إلى عبء على الجميع.
لسنا أمام عالم فقد القيم فجأة، بل أمام عالم قرر أن يؤجلها.
والتأجيل، في السياسة، ليس حيادًا…
بل اختيار كامل النتائج…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة