على مر العصور، احتفظ الكتاب بوقاره وقدسيته، فهو أنيس الروح، ومنهل المعرفة، وأداة البناء النفسي والعقلي، والمهرب الإيجابي من ضجيج الحياة.
وفي خضم صخب الحياة وإيقاعها السريع ونشاز نغماته، وفي ظل التحول الرقمي وهيمنة الشاشات ورقمنة الثقافة، استطاعت الكتب الإلكترونية فرض نفسها على الذائقة لاعتبارات عدة، من بينها الاقتناء المجاني، وسهولة الوصول والبحث، وسعة الانتشار، وهو بلا أدنى شك يتناغم مع حال المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية وانخفاض الدخل الفردي، بما يعد إنقاذًا للمعرفة والثقافة من بين أنياب الفقر.
كما أن التحول الرقمي والكتاب الإلكتروني يتناغم مع الحال التي وصل إليها البشر من الاندماج مع مخرجات الطفرة التكنولوجية.
في ظل هذا الصخب، واجه الكتاب تحديًا شرسًا يندرج تحت الصراعات الوجودية بين القديم والحديث، وما يمكن أن يؤول إليه الصراع من إقصاء وإحلال، أو مشاركة، أو تكامل، فيتجدد السؤال مع كل نظرة مقارِنة: هل ما يزال ذلك الكائن الورقي قادرًا على الحياة؟ أم أنه يعاني نعيًا مؤجلًا كتبه عليه التحول الرقمي.
على الرغم من احتدام واستمرار الجدل حول هذه القضية، إلا أنه قد اتضح لكل مراقب، أن الكتاب لا يزال متموضعًا بقوة في حياة الشعوب، وأن رائحة الحبر وحفيف الورق حاضر في وجدان الجماهير، ولا أدل على ذلك من المعارض الدولية للكتاب التي يتهافت عليها مئات الآلاف بل والملايين من القراء والكُتاب من كل حدب وصوب حتى من خارج البلد الحاضن للمعرض.
وفي تقرير سابق لـ «بي بي سي عربية نيوز»، أبرزت دراسة قامت بها كلية الأعمال والاقتصاد بجامعة ماكويري بأستراليا على عينة من ألف كاتب وناشر، أن نصيب الكتب المطبوعة يأتي في الصدارة بنسبة 45%، مقارنة بـ 35% للكتب الرقمية أو الإلكترونية.
وإلى الآن، يهتم كثير من الناس بتكوين مكتبات في المنازل، ويقومون بإضافة الجديد إليها كلما سنحت الفرصة، وبعضهم يقتطع من دخله مبلغا ليتمكن من شراء الكتاب كل عام.
لذلك فإن الحكم على انهزام الكتاب يفتقر إلى العدالة، فالكتاب مثل الفكرة، يقاس بقدرته على البقاء وسط الصخب.
إن من عوامل بقاء الكتاب في ظل صخب الرقمنة، أنه ليس مجرد وعاء معلوماتي، بل هناك علاقة حميمية بين النفس البشرية وبين ذلك الكائن، وفق طقوس عاطفية مختلفة، فهذا يحلو له أن يرافق الكتاب عند الخضرة والماء، وهذا يروق له أن يجلس في شرفته وأمامه كوب الشاي بصحبة الكتاب، وهذا اعتاد أن يتمدد قبل النوم على فراشه يطالع الكتاب فيكون آخر عهده باليقظة.
الكتاب يصنع لدى القارئ حالة من الشعور بامتداد الذائقة البشرية والسلوك الثقافي البشري عبر مر العصور، فهو يتلاقى مع غيره من البشر بكل حقبة زمنية في هذا الشأن، جميعهم كانوا يقلبون أوراقًا بين دفتين طلبا للمعرفة وراحة النفس، فلا يشعر أنه منعزل عن مسار التاريخ البشري.
الكتاب المطبوع يكون ملاذًا نفسيًا للإنسان الذي شئنا أم أبينا قد تضرر من ثقافة السرعة التي تدير حياته، فيأتي مشهد تفاعله مع الكتاب ليبطئ من هذه السرعة المحمومة ويعيد للنفس اتزانها.
نستطيع القول إن الكتاب قد صمد أمام الرقمنة لا لأنه أقوى من التقنية، بل لأنه أعمق منها، صمد لا لأنه ينافس الشاشة في السرعة بل ينافسها في القدرة على المعنى.
على الرغم من أن الرقمنة شاركت الكتاب في صدارة المشهد، إلا أنها ليست عدوًا أو خصمًا له، فقد ساعدت الكاتب والناشر بقوة على تسويق المنتج، وفكت ذلك الحصار الخانق على الكُتاب غير المعروفين، فاستطاعوا الوصول إلى الجماهير من خلال بوابة الشاشات، والتي أعطت مساحة واسعة للتداول والدعاية.
إن السؤال اليوم لم يعد حول مدى صمود الكتاب أمام صخب الرقمنة، بل عن التهديدات التي تواجهها القراءة أمام سيل المحتوى السريع المختزل الذي لا يطلب من العقل سوى الانتباه العابر، وانهزام المعرفة أمام ثقافة السرعة، في ظل غياب مشاريع ثقافية حقيقية جامعة تحمي الكتاب.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة