بين الدين والدولة: لماذا يرفض بعض العلمانيين العرب ما لا يرفضه علمانيو إسرائيل؟

قبل أن أبدأ، أقولها بوضوح لا لبس فيه:

لي صديقات ومعارف من مختلف الأديان، ولم أرَ منهن ولا منهم إلا خُلُقا ووفاء وطيبة قلب…

لم يكن بيننا يوما صراع دين، بل صداقة إنسانية بحتة..

أنا ضد التشدد، وضد التطرف، وضد تحويل الدين إلى عصا، وضد تحويل الاختلاف إلى كراهية….

هذا موقفي الأخلاقي الثابت….

لكن رفض التطرف لا يعني التخلي عن القناعة..

والتعايش لا يعني تذويب الهوية….

والاحترام لا يعني الصمت عن الرأي…

ومن هنا أكتب…

من العبارات اللافتة في النقاش المعاصر حول علاقة الدين بالدولة، جملة قالها أحد أبرز رموز التيار العلماني في إسرائيل الدموية المُحتلّة:

“لن يتم فصل الدين عن الدولة في إسرائيل لأبد الآبدين.”

قائل العبارة ليس رجل دين، ولا زعيم حزب ديني، بل “يائير لبيد”، أحد أبرز وجوه التيار العلماني هناك….

وهي عبارة تفتح باب سؤال أكبر من الجملة نفسها: لماذا لا يرى علمانيو إسرائيل تناقضا بين علمانيتهم وبين الحفاظ على الطابع الديني للدولة، بينما يتحول جزء من الخطاب العلماني العربي إلى معركة مفتوحة مع حضور الدين في المجال العام؟!

*التجربة الصهيونية نفسها تقدم مفارقة لافتة….

كثير من مؤسسي المشروع الصهيوني كانوا غير متدينين، بل بعضهم أعلن إلحادا صريحا، ومع ذلك لم يؤسسوا دولة “محايدة دينيا”، بل دولة يهودية الهوية والرمز والسردية….

أدركوا أن الدين — حتى حين لا يؤمنون به عقائديا — هو الخزان الرمزي والمعنوي الذي يمنح المشروع السياسي معنى وقدرة على الحشد والاستمرار.

وكما أشار عبد الوهاب المسيري، فإن الصهيونية احتاجت الدين لتوفير معنى للمادة البشرية المنقولة، ولخلق سردية جامعة تتجاوز الجغرافيا.

*السؤال هنا ليس إعجابا بالتجربة، بل قراءة في منطقها:

حتى التيارات غير المتدينة هناك لم تطالب بإقصاء الدين من هوية الدولة، بل بإدارة العلاقة معه….

بينما نجد في بعض الخطابات العلمانية العربية نزوعا إلى نقل النموذج الأوروبي في صراعه مع الكنيسة نقلا حرفيا، مع أن السياق مختلف جذريا !!

*لم يعرف تاريخنا الإسلامي مؤسسة كنسية تحتكر الغفران أو تصادر العلم، ولم يعرف طبقة كهنوت تحكم باسم السماء…

لذلك فإن استيراد معركة ليست معركتنا، ثم إعلانها حربا على المجال الديني في مجتمعات مسلمة، هو سوء ترجمة تاريخية قبل أن يكون موقفا فكريا.

أنا لا أدعو إلى دولة تُقصي غير المسلمين ( حاشا لله أن أفعل) ..

ولا أدعو إلى فرض التدين بالقانون في دُول مدنية..

ولا أدعو إلى مصادرة حرية الاعتقاد….

أنا أتحدث عن دولة ذات أغلبية مسلمة، وهوية دستورية واضحة، وحكم هاشمي ينتسب إلى بيت النبوة صلى الله عليه وسلم، حيث يكون حضور المرجعية الإسلامية في المجال العام أمرا طبيعيا، لا تهمة تحتاج إلى تبرير…

الفرق كبير بين إدارة التعدد، وبين اقتلاع هوية الأكثرية يا بني ديني وقومي وبلدي..

*التعايش الحقيقي لا يقوم على إلغاء الفوارق، بل على الاعتراف بها وتنظيمها بعدل…

ليس من العدل أن تُحترم كل الهويات إلا هوية المجتمع المسلم،

وليس من العدل أن يُطلب من الدين وحده أن ينسحب من المجال العام باسم الحداثة….

* الحداثة ليست نقيض الإيمان، كما أن العقل ليس عدو الوحي…

هذه ثنائية مصطنعة ورثها بعضنا من سياق أوروبي خاص، ثم عممها على كل البيئات.

*المشكلة ليست في وجود طرح علماني، بل في تحوله عند بعض أصحابه إلى مشروع إقصاء ديني، لا مشروع تنظيم مدني…

وحين تصبح معظم المعارك موجهة ضد النصوص والثوابت والسنة والمرجعية، لا ضد الاستبداد أو الفساد أو التخلف، فإن السؤال يصبح مشروعا:

هل القضية حياد الدولة، أم تحييد الدين؟!

أنا ضد التطرف الديني، كما أنا ضد التطرف العلماني …

ضد من يكفّر المجتمع، وضد من يُحقّر التدين ..

ضد من يحتكر السماء، وضد من يريد إغلاقها….

ما أؤمن به ببساطة:

أن الدين في مجتمعه ليس ضيفا ..

وأن التعدد لا يعني الفراغ ..

وأن الهوية ليست جريمة فكرية….

وبين التشدد والذوبان… طريق ثالث اسمه الاتزان….

وهذا هو موقفي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ما هي أصل حكاية جيفري إبستين؟

القصة الكاملة …. *قضية جيفري إبستين ليست مجرد ملف جنائي عن رجل ثري ارتكب جرائم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *