العلمانية بين سياقها الغربي وواقعنا الإسلامي
بين حرية الاعتقاد ومحاولة إقصاء الدين من مجاله الطبيعي..
حين نناقش العلمانية في عالمنا العربي، لا يصح أن نبدأ من الشعارات، بل من التاريخ والسياق.
فالمصطلحات لا تولد في فراغ، بل في أزمات.
والعلمانية في أصلها الأوروبي لم تكن نظرية فلسفية مجردة، بل كانت رد فعل على تجربة كنسية ثيوقراطية صادرت العلم، وخلطت الخرافة بالدين، ونصبت رجال المؤسسة الدينية أوصياء على الحقيقة العلمية ومسار المجتمع.
هناك نشأ الصدام، وهناك بدأ مطلب الفصل، لا عداء للدين في ذاته، بل تمردا على احتكار تفسيره وتسخيره لقمع المعرفة.
من هذا الجرح التاريخي خرجت العلمانية الأوروبية بوصفها محاولة لتحرير المجال العام من سلطة كنسية مغلقة.
لكن المسار لم يتوقف عند حد الفصل المؤسسي، بل تطور في تيارات واسعة إلى فصل معرفي كامل، ثم إلى رؤية مادية تقطع الصلة بين الأرض والسماء، وتُقصي المرجعية الغيبية من تفسير الكون والإنسان والمعنى.
ومع الفلسفات المادية الحديثة، وخصوصا في الماركسية وما بعدها، لم يعد الدين مجرد مؤسسة يُحد نفوذها، بل أصبح فكرة يُشكك في أصلها، ويُعاد تعريفها بوصفها أداة هيمنة اجتماعية.
هذه الرحلة الغربية مهمة للفهم، لكنها ليست بالضرورة قالبا يُفرض على كل الحضارات.
فالمجتمعات لا تستورد التجارب كما هي، بل تُعيد تأويلها ضمن بنيتها الثقافية والدينية. ..
ومن هنا يبدأ الإشكال في نقل المفهوم إلى بيئة إسلامية لم تعرف في تاريخها سلطة كنسية مغلقة تحاكم العلم باسم الدين، ولم تعرف طبقة كهنوت تحتكر النص المقدس، بل عرفت تعدد مدارس واجتهادات، وصراع أفكار داخل المرجعية نفسها.
أنا لا أكتب هذا رفضا للتعدد الديني، ولا اعتراضا على وجود غير المسلمين، ولا خصومة مع أي دين آخر.
الإيمان في جوهره اختيار، والتعايش أصل إنساني، والعدل قيمة فوق الانتماءات.
مشكلتي ليست مع أتباع الأديان، بل مع خطاب يتجاوز كل الأديان، ثم يطلب من ديني وحده أن يتراجع، وأن يصمت، وأن يُدفع إلى الهامش في مجتمعه الطبيعي.
الإشكال يبدأ حين تتحول العلمانية من إطار تنظيمي لإدارة التعدد، إلى أداة ضغط ثقافي لإقصاء المرجعية الإسلامية من المجال العام في دولة أغلبية سكانها مسلمون، وتاريخها السياسي والدستوري مرتبط بهوية دينية واضحة، وحاكمها هاشمي من نسل النبي صلى الله عليه وسلم. هنا لا نكون أمام حياد، بل أمام إعادة تشكيل هوية بالقوة الناعمة.
بعض المفكرين العرب حاولوا التمييز بين علمانية شاملة تنفي المرجعية الغيبية، وعلمانية جزئية تقتصر على فصل الدين عن إدارة الحكم.
هذا التفريق نظريا مفهوم، لكنه عمليا هش، لأن الإنسان لا يعيش مجزأ بين عقل بلا مرجعية وروح بلا أثر.
حين تُفرغ المناهج، واللغة العامة، والإطار المعرفي من أي حضور ديني، لا يبقى الدين علاقة خاصة فقط، بل يصبح غريبا حتى في وجدان أصحابه…
وهنا لا يقع الفصل، بل يحدث الذبول البطيء.
أنا لا أقول إن كل علماني ملحد، فهذا تعميم غير علمي، لكنني أقول إن المسار الفكري الذي يبدأ بتحييد المرجعية العليا عن تفسير الحياة، ينتهي غالبا بإضعافها، ثم التشكيك فيها، ثم الاستغناء عنها عند أجيال لاحقة.
الأفكار لا تبقى ثابتة عند حدودها الأولى، بل تتحرك بمنطقها الداخلي.
وما يثير القلق ليس مجرد الطرح النظري، بل الممارسة الخطابية عند بعض من يرفعون شعار العلمانية الجزئية، بينما تنصب معظم معاركهم على ثوابت الدين نفسه: الطعن في السنة، تاريخية التشريع، نزع القداسة عن النص، وإعادة تفسير العقائد وفق مزاج العصر.
هنا لا يكون الحديث عن حياد الدولة، بل عن إعادة هندسة الإيمان.
أنا لا أطلب دولة تقصي غير المسلمين، ولا مجتمعا مغلقا،
ولا قمعًا فكريًا.
ما أرفضه ببساطة هو أن يُطلب من الدين أن يعتذر عن وجوده في مجتمعه، وأن يُعامل التدين بوصفه شبهة، وأن تُصور المرجعية الإسلامية كعائق حضاري في بيئة هي أصلا متشكلة بها.
التعايش لا يعني الذوبان، والاحترام لا يعني التنازل عن الهوية، والعدل لا يعني إلغاء الفوارق، بل إدارتها بإنصاف.
المعركة الحقيقية ليست بين دين وبلا دين،
بل بين من يقبل التعدد الحقيقي،
ومن يقبل التعدد بشرط أن يتراجع الإسلام وحده خطوة إلى الخلف.
وهذا ليس حيادا… بل انحياز مقنّع…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة