أقسى ما يتركه الطريق حين يلتبس عليك، ليس التعب
بل ذلك الإحساس الخفي أنك مدين للعالم بمشهد “عودة”
أن تختفي قليلًا، ثم ترجع بوجهٍ مُلمّع، وصوتٍ أعلى، ورصيد مالي ضخم .. ونجاحٍ يُرفع كراية
كي تقول لمن خذلك: انظروا كيف صرت وأين أنتم مقارنة بي!
هذا طلب اعتراف متأخر.
الثأر الحقيقي لا يُكتب على هيئة انتصارٍ أمام الناس
ولا يُصنع من رغبة أن تتبدّل نظرتهم لك
ولا من محاولة أن تُربكهم بصورة جديدة
لأن من عاش أسيرًا لعيونهم
سيظل يركض داخل القفص نفسه
ولو بدّل الألوان والملابس وأفخم السيارات .
أصدق ما تنتقم به من نفسك القديمة
ومن الوجوه التي ارتدت الصدق حتى تعبت من التمثيل
ومن عاطفةٍ دفعتها في غير موضعها
ومن أبوابٍ كنت تطرقها بكرامتك
ومن أحلامٍ ظننتها خلاصًا فإذا هي استنزاف…
أن تُغلق الدائرة بهدوء
وتُكمل حياتك دون ضجيج.
أن تُصبح إنسانًا لا يلتفت
لا لأنّه نسي
بل لأنّه فهم.
أن تكون عبدًا صالحًا لربّك
يمشي بخفّة من عرف أن الدنيا تتبدّل ولا تُؤتمن
وأن القلوب تتلوّن ولا يُعوّل عليها
وأن الكرامة ليست في أن تُبهر أحدًا
بل في أن لا تُمسكك الرغبة القديمة من عنقك
فتُجبرك أن تشرح نفسك لمن لا يستحق.
لا تندم على ما ضاع
ولا تُرسل قلبك ليستعيد ما لا يعود
ولا تُصالح الأماكن التي أذلّتك
ولا تعُد إلى الزوايا التي خرجت منها مثقوبًا.
قال النبي ﷺ:
«لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»
فأعظم نجاة أن تتعلّم، لا أن تتجمّل.
وإذا صار أعلى ما تتمناه أن تُثير إعجابهم
وأن تراهم يبتلعون أحكامهم القديمة عليك
فاعلم أنك لم تتحرر بعد
لأنك ما زلت تضع قيمتك في أيديهم
وتطلب منهم شهادة “تحسّن نجح صار ”
كأنهم كانوا معيارًا أصلًا.
الحياة لا تعطيك حقّك دائمًا
ولا تُنصفك في وقتك
ولا تُعيد ترتيب المشهد لترضيك
لكنها تعطيك فرصة واحدة ثمينة:
أن تنضج.
أن تفهم أن بعض الخسارات ليست خسائر
بل إنقاذ متأخر
وأن بعض الانكسارات ليست نهاية
بل بداية تنظيف عميق
يُسقط عنك وهمًا ثقيلًا اسمه: ماذا سيقولون عني؟
فلا تجعل أجمل أحلامك أن تدهشهم
اجعلها: أن تنجو
أن تُصبح ثابتًا من الداخل
لا يتغيّر مزاجك بمدح
ولا يهتز قلبك بذم
ولا يتضخم حضورك لأن أحدهم صفق لك
ولا تنطفئ لأن أحدهم تجاهلك.
ذلك هو واقع الحياة
أن تمضي، لا لتُثبت شيئًا لأحد
بل لتكون عند الله كما ينبغي
وتكون مع نفسك كما تستحق.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة