نحن آخر جيل عرف الحب بشجاعة وبمروءة أيضا ..

ربما الأجيال التي جاءت بعدنا أذكى منا، أسرع، أكثر اتصالا بالعالم، وأكثر قدرة على الإنجاز التقني والعلمي….

قد تبني آلات تفكر، ومُدُنًا ذكية، وأنظمة لا تخطئ، وقد تزيد من جودة الحياة مع تقدّم الإنسان في السنّ وقد تختصر المسافات وتُعيد تعريف العمل والمعرفة….

لكنني أشكُّ بأنها ستعرف الحب كما عرفناه.

ليس لأن لديهم قلوبا مختلفة في التركيبة والماهيّة … بل لأن الزمن نفسه تغيّر.

نحن -على ما في جيلنا من تعب – كنا آخر من أحبّ بشجاعة، لا بحساب. ..

آخر من خاطر بقلبه دون عقد حماية، ودون “خيارات بديلة”، ودون زرّ انسحاب سريع…

أحببنا كما لو أن الحب موقف، لا تجربة….

عهد، لا مرحلة….. قدر، لا احتمال.

كان الحب عندنا جزء من طباع الفروسية فينا ..

لم يكن مجرد انجذاب، ولا توافق اهتمامات، ولا خوارزمية اقتراحات…

كان استعدادًا للخسارة، وللصبر، وللانتظار، ولتحمّل الكلفة…

كنا نعرف أن الحب ليس طريقا مفروشا بالورد، بل طريقا يُمشى أحيانا على الجمر – ومع ذلك يُختار.

في الأزمنة القديمة، كان العاشق يُقاس بثباته لا بكلامه.

كان يُعرف بطول نفسه، لا بسرعة رسائله.

بقدرته على الاحتمال، لا بمهارته في التعبير.

كانت المروءة جزءًا من الحب:

أن تصون .. أن تحفظ الغياب ..

أن لا تُستبدل بسهولة .. أن لا تُكشف أسرار قلبك عند أول خيبة ..

أن تبقى – حتى حين يصبح البقاء مُكلفا…

الفروسية لم تكن في حمل السيف فقط، بل في حمل العهد…

وفي أدبنا القديم لم يكن العاشق بطلا لأنه وصل – بل لأنه ثبت.

“وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي” لم تكن مجرد قيمة اجتماعية، بل أخلاق قلب يعرف أن الحب اختيار أخلاقي أيضا…

أما اليوم، فقد أصبح الحب سائلا- سريع التبخُّر، سريع الاستبدال، سريع التبرير.

تغيّر من موقف وجودي إلى تجربة قابلة للتحديث…

من التزام إلى خيار … من وعد إلى احتمال…

كثرة البدائل أضعفت الشجاعة… سهولة الوصول أضعفت التقدير.

وفرة التواصل أضعفت المعنى….

حين يصبح كل شيء متاحا – يصبح لا شيء عزيزا.

الحب الحديث محاط بأزرار:

إلغاء متابعة .. كتم .. حظر .. استبدال .. تحديث وإعادة ضبط…

لم يعد يحتاج إلى صبر – بل إلى إدارة إعدادات…

جيلنا – رغم عيوبه – كان يعرف فضيلة الانتظار…

يعرف أن بعض القلوب لا تُستبدل بأي أحد مهما كان أكثر إبهارا وجمالا …

أن بعض العلاقات لا تُقاس بالراحة، بل بالمعنى.

أن الحب ليس دائما مُريحا – لكنه عميق.

كنا نؤمن – ربما بسذاجة نبيلة – أن الوقوف من أجل من نحب شرف، لا ضعف.

أن التضحية ليست خسارة دائما ..

أن الوفاء قوة، لا قيد….

اليوم يُنصح الناس أن ينسحبوا سريعا، وأن يحموا أنفسهم أولا، وأن لا “يستثمروا عاطفيًا” أكثر من اللازم، وأن لا يراهنوا على قلب واحد….

نصائح ذكية… وصحيح تصنع قلوبا آمنة – لكنها باردة.

من ما زال يملك القدرة على الصبر من أجل حبّ واحد يستثمر فيه حتى اخر العمر؟

من ما زال يحتمل سوء الفهم، وطول الطريق، وتعقيد الظروف، دون أن يبحث فورا عن بديل أسهل؟

من ما زال يرى في الثبات بطولة، لا غباء؟

الحب الشجاع لا يعني التعلّق المرضي، ولا إلغاء الكرامة – بل يعني القدرة على الالتزام، وعلى إعطاء القلب وزنه الحقيقي…

يعني أن تقول: هذا اختياري – وسأصبر عليه – لا لأنني عاجز عن غيره، بل لأنني مؤمن به…

ربما ستتفوق الأجيال القادمة علينا في كل شيء:

في العلم وتحصيل المال وفي التقنية، والسرعة والإنجاز.

لكن الحب – ذلك الحب الذي يشبه الوقوف تحت المطر بلا مظلة لأن أحدا نحبه ينتظر …

ذاك الحب الذي يُبقي الرسائل القديمة ..

ويحترم الذكرى … ويصبر على العيوب .. ويُقاتل من أجل المعنى ..

أخشى أننا كنا آخر من عرفه… بشجاعة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الصدق غير كافٍ: لماذا تحتاج علاقاتنا إلى “المباشرة”؟

الصدق قيمة عظيمة لا يختلف عليها اثنان لكنه ليس دائما كافيا لصناعة علاقة آمنة ومستقرة… …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *