كتب غابرييل غارسيا ماركيز:
“الخائب الذي ألقى بنفسه إلى الشارع من شقة في الطابق العاشر وأثناء سقوطه راح يرى عبر النوافذ : حيوانات جيرانه الخاصة، المآسي المنزلية، علاقات الحب السرية، لحظات السعادة الخاطفة التي لم تصله اخبارها مطلقاً، بحيث انه في اللحظة التي تهشم فيها رأسه على رصيف الشارع كان قد غير نظرته للعالم كليا وكان قد اقتنع بأن تلك الحياة التي هجرها الى الأبد عن طريق الباب الخاطئ …
كانت تستحق ان تُعاش” .. انتهى الاقتباس..
تعليقا على ذلك أقول:
أحيانا لا تفرغ الحياة من المعنى — نحن الذين نراها من ثقب صغير ويغيب عنا اتساع الصورة…
نحن لا نغادر الحياة لأن الألم أكبر من الاحتمال، بل لأن الصورة أضيق من الواقع. نظن أننا نعرف كل شيء لأننا نعرف ما يحدث داخل جدراننا، بينما الحياة في الغرف المجاورة تمضي بصمت، بثقلها وخفتها، بمآسيها الصغيرة، وبأفراحها الخاطفة التي لا تصل أخبارها إلى أحد.
المأساة ليست في السقوط، بل في أن تتسع الرؤية بعد فوات القرار.
كل نافذة تخفي رواية لا نسمعها:
ضحكة جاءت بعد بكاء طويل ..
صلحا تم بعد قطيعة ..
قلبا عاد إلى النبض بعد ظن الانطفاء ..
وإنسانا ظن أنه انتهى… ثم بدأ.
نحن نحاكم الحياة من غرفة واحدة ..
والحياة مُدُن كاملة من الغرف التي تحوي الخيبات والانكسارات والضحكات المتأخرة والعوض الجميل.
اليأس عدسة شديدة القرب: ترى الجرح ولا ترى الجسد، ترى اللحظة ولا ترى الامتداد….
لذلك تكون أحكام المُصاب باليأس قاطعة نهائية، بينما سنن الله في الحياة قائمة على التبدُّل، والفتح بعد الضيق، والفرج بعد العسر.
كم بابا أغلقناه لأننا حسبناه الأخير….
كم حكما أصدرناه لأننا لم نبدل الموقع….
كم قرارا نهائيا اتخذناه لأننا لم ننتظر نافذة أخرى…..
الحياة لا تُفهم من لحظة واحدة ولا من وجع واحد، بل من مسار كامل….
أحيانا لا نحتاج حلا فوريا — نحتاج صبرا أطول ومسافة أوسع….
المأساة الكبرى ليست أن يتألم الإنسان بل أن يظن أن ألمه هو الحقيقة كلها.
كل الذين نجوا من حافة القرار الخطأ يقولون معنى واحدا:
لو صبرنا قليلا… لتغير الكثير….
الحياة عطية من الله، ولا تُترك في لحظة ضعف …
لأن أبوابها قد تُفتح فجأة حين نظن أنها أُغلقت.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة