لا تخافوا من الكلام حين يختلُّ الميزان …
ولا تترددوا في رفع الصوت حين ترون الخلل واضحا…
حتى لو كان من أمامكم أعلى منصبا أو أوسع نفوذا، أو أكثر خبرة في الظاهر…
فالمناصب لا تمنح أصحابها العصمة، والتراتبية الإدارية لا تعني تفوُّقا معرفيا مطلقا، والنجاح التجاري لا يساوي بالضرورة عمق العلم، ولا كثرة الألقاب تعني رسوخ الحكمة.
في كثير من البيئات المهنية والأكاديمية، تنشأ “هيبة صامتة” حول صاحب المنصب. هيبة تجعل الناس يرون الخطأ، لكنهم يبتلعون ملاحظاتهم …
يكتشفون الخلل، لكنهم يؤجلون الحديث….!
لا لأنهم مقتنعون، بل لأنهم خائفون: من التقييم، من الوصم، من خسارة القرب..
من اتهامهم بقلة الاحترام….
وهكذا يتحول الصمت من أدبٍ إلى تواطؤ، ومن لباقة إلى تعطيل للحقيقة.
الحقيقة أن القيادة ليست حصنا فوق النقد، بل مسؤولية مفتوحة على المراجعة…
القائد الحقيقي لا يحتاج إلى جدار من الصمت يحميه…
بل إلى مرآة صادقة تكشف له مواضع العطب….
لأن الخطأ إذا لم يُسمَّ باسمه تمدّد، وإذا لم يُواجَه تضخّم، وإذا لم يُصحَّح أصبح ثقافة.
*التحدث عند وجود الخلل ليس تمردا، بل أمانة….
وليس تقويضًا للسلطة، بل حماية لوظيفتها….
السلطة وُجدت لتخدم الهدف، لا ليخدمها الهدف….
والمنصب وسيلة لتنظيم العمل، لا لإسكات العقول….
حين يسكت الجميع بدعوى “الاحترام”، تموت الجودة….
وحين يتكلم واحد بشجاعة مسؤولة دون تلفيق او بُهتان او تداول كذبة أو إشاعة غير مُثبتة، يبدأ الإصلاح.
غالبا ما يظن الفرد أنه وحده الذي يرى المشكلة….
لكن الواقع مختلف: كثيرون يرون، قليلون يتكلمون….
في القاعة، في الاجتماع، في المؤسسة -توجد حقيقة معلّقة في الهواء، ينتظر الجميع من يمنحها صوتا….
لحظة واحدة من الجرأة الواعية قد تكشف لك أن ما ظننته مخاطرة فردية كان حاجة جماعية.
القوة الإدارية لا تقوم بذاتها، بل بمن يمنحها شرعيتها اليومية:
الناس الذين يعملون، يفكرون، ينفذون، ويقترحون….
القيادة عملية تشاركية، لا طاقة احتكارية…..
هي حركة مستمرة من الأخذ والرد، من القرار والتغذية الراجعة، من التوجيه والمراجعة….
لذلك فالصوت الصادق لا يهدم القيادة – بل يُنضجها ويحميها.
لكن الفرق كبير بين الاعتراض الفوضوي والاعتراض المسؤول يا ابن العم…
المطلوب ليس رفع الصوت والصراخ والشتم والاساءة، بل رفع المستوى….
ليس الاتهام، بل البيان…
ليس التشهير، بل التوضيح….
تحدث بهدوء، بدليل، بلغة مهنية، بنيّة إصلاحية….
اجعل نقدك محددا، واقتراحك حاضرا، ونبرتك متزنة…
فالطريقة أو الأسلوب جزء من الرسالة…
قل ما يجب أن يقال – لا لتنتصر، بل ليصلح الأمر…
لا لتُحرج أحدا في السلطة أو حولها، بل لتُنقذ المسار كله…
تذكر أن المؤسسات التي تتقدم ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي لا تخلو من أصوات صادقة تقول: هنا الخلل… وهنا يمكن أن يكون الأفضل….
حين تتكلم بمسؤولية، أنت لا تتجاوز السلطة – أنت تذكّرها بسبب وجودها…
وحين تنطق بالحقيقة بهدوء، أنت لا تهاجم النظام بل أنت تحميه من العطب.
التغيير لا يبدأ بقرار كبير فقط…..
أحيانا يبدأ بجملة شجاعة، قالها شخص واحد مهذب بنيّة صادقة… في الوقت الصحيح….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة
ขออนุญาตคัดลอก