حين يتفاوض الأقوياء: من يملك الزمن يملك النتيجة !!

في النزاعات الكبرى لا يكون السؤال: من يملك السلاح الأقوى؟
بل: من يملك القدرة على تحويل الوقت إلى رصيد….
فالتاريخ يُعلمنا أن القوة ليست دائما في الضربة، بل في الاحتمال….
ليست في الحسم السريع، بل في القدرة على البقاء بعد العاصفة….

الإطار المقترح للتفاهم الأميركي–الإيراني، كما جرى تداوله عبر وسطاء إقليميين، لا يمكن قراءته بوصفه مجموعة بنود تقنية حول التخصيب والصواريخ والوكلاء…

هذه قراءة سطحية…

القراءة الأعمق تقول إننا أمام محاولة لإعادة تعريف معنى القوة نفسه:
-نقل الصراع من ميدان الانفجار إلى ميدان الإدارة
ومن منطق كسر العظم إلى منطق ضبط الإيقاع….

القوة الصلبة تميل ظاهريا إلى واشنطن….
-اقتصاد يملك مفاتيح النظام المالي العالمي
-شبكة تحالفات عسكرية
-تفوق تقني
-وأداة عقوبات قادرة على خنق دول لا مجرد الضغط عليها…

هذه قوة المطرقة يا قوم …
ما معنى ذلك ؟
-تضرب بقوة، وتترك أثرا مباشرا….
لكنها تعاني من معضلة مزمنة:
-كل ضربة كبيرة تحتاج غطاء سياسيا، وتحمل كلفة داخلية، وتستهلك شرعية دولية.

في المقابل، تملك طهران نوعا آخر من القوة:
-قوة الاحتمال….
– دولة تعودت العيش تحت الضغط
-وبَنَت شبكات نفوذ غير تقليدية…
-وتعلمت تحويل الحصار إلى حافز والعقوبة إلى خطاب تعبئة…

*هذه ليست قوة الضربة الأولى، بل قوة الجولة الأخيرة…
ليست قوة السرعة، بل قوة النفس الطويل….
اختلفت أم اتفقت هي حقيقة الجَلَد الإيراني ويا ليت بعض قومي يُحاولون ويتجّلدون ويصمدون !

من هنا نفهم لماذا تبدو بنود أي تفاهم محتمل وكأنها موزعة الأرباح والخسائر بدقة جراحية….
– تجميد التخصيب العالي يمنح واشنطن أمنا قريبا، لكنه يمنح طهران أيضا وقتا ثمينا…
– نقل المخزون يقلص خطر المفاجأة، لكنه لا يلغي المعرفة…
-تقييد السلوك الإقليمي يخفف التوتر، لكنه لا يمحو الشبكات ولا يُغيّر العقيدة القائمة على التوسُّع الدموي والاستعلاء على البشر….

– وحتى البنود المتعلقة بالصواريخ أو عدم الاعتداء تأتي غالبا بصياغات مرنة، لأن الصياغة الصلبة تفجر التفاوض من داخله.

الأقوى هنا ليس من يوقع على الورق، بل من يربح ما بعد التوقيع….

كم من اتفاق بدا نصرا لطرف، ثم تحول مع الزمن إلى منصة انطلاق للطرف الآخر. وكم من تنازل تكتيكي صار لاحقا أصلا استراتيجيا….

الدول الكبرى تعرف هذه القاعدة جيدا:
-الاتفاق ليس نهاية الصراع، بل تغيير شكله.
*هو انتقال من حرب مكلفة إلى منافسة بطيئة….
من نار مفتوحة إلى جمر تحت الرماد….

لذلك لا تبحث القوى الذكية عن “نصر كامل”، بل عن “وضع قابل للإدارة”.

*الذكاء السياسي لا يسأل: من غلب اليوم؟
بل: من سيبقى واقفا بعد خمس سنوات….
لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيلام، بل في القدرة على الاستمرار….
ليست في فرض الشروط مرة، بل في جعل شروطك هي البيئة الطبيعية للصراع.

*في هذا النوع من الملفات، المطرقة لا تكفي، والجلد السميك لا يكفي…
الذي يحسم هو من يجمع بين القدرة على الضرب، والقدرة على الاحتمال، والقدرة على الانتظار دون أن يصدأ…

لذلك، في مفاوضات القوى الكبرى، لا يكفي ارتفاع الصوت ولا طول النفس وحده… الذي ينتصر هو من يعرف متى ينتظر، ومتى يضغط، ومتى يحوّل الوقت إلى قرار حاسم لا رجعة فيه ولا إمكانية للتفاوض.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

نشر وثائق إبستين… هل كان الدافع أخلاقيا أم سياسيا؟

لا تزال تداعيات فضيحة وثائق جيفري إبستين تتعاظم يوما بعد يوم، ككرة الثلج، وكل وقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *