“فلتؤمن دائما بأن هناك شيئا رائعا على وشك أن يحدث”

ليس لأن الواقع سهل، ولا لأن الطريق ممهد، بل لأن سنن الحياة نفسها لا تثبت على حال، ولأن الركود وهم بصري تخلقه اللحظة حين نحدق فيها طويلا.

أعمق خدعة يمارسها اليأس علينا أنه يقنعنا بأن الصورة الحالية هي الصورة النهائية، وأن المشهد الذي أمامنا هو خاتمة الرواية،

بينما الحقيقة أن ما نراه ليس إلا فقرة في فصل، وليس هو الفصل الأخير.

كل الذين غيروا مجرى حياتهم لم يكن الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم رأوا المعجزة، بل أنهم توقعوها قبل أن تظهر، وتصرفوا على هذا الأساس.

قال ابن عطاء الله:

“ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببا في الوصول.”

المعنى هنا ليس وعظيا فقط، بل وجودي: ما يبدو خسارة قد يكون إعادة توجيه، وما يبدو تأخرا قد يكون إعادة ترتيب للمشهد حتى يحتمل القادم.

الذين سبقوك إلى الإنجاز لم تكن بداياتهم مهيبة، بل كانت مرتبكة.

العالم لا يتغير بالقفزات الكبرى فقط، بل بتراكم التحولات الصغيرة غير المرئية.

البذرة لا تصرخ وهي تنشق، ولا تعلن الأرض بيان ميلادها، ومع ذلك يخرج منها غد مختلف.

انظر إلى التاريخ:

كم فكرة سخروا منها ثم صارت قاعدة

كم من إنسان استصغروه ثم صار مرجعا !

كم أمة ظنوا أنها انتهت ثم عادت بصورة أذكى وأقوى..

التغيير لا يأتي عادة بملابس احتفالية، بل يأتي متنكرا في شكل فرصة صغيرة، لقاء عابر، فكرة مزعجة، أو في سؤال يقلق نومك.

قال نيتشه:

“يجب أن تحمل في داخلك فوضى كي تلد نجمة راقصة.”

الفوضى الداخلية ليست دائما انهيارا، أحيانا هي إعادة ترتيب عميقة للهوية، كأن الروح تهدم بناء قديما لتوسع المساحة لشيء أصدق.

الإيمان بأن شيئا رائعا على وشك أن يحدث ليس تفاؤلا ساذجا، بل موقف معرفي شجاع.

هو اختيار زاوية الرؤية…

شخصان يمران بالحدث نفسه: أحدهما يراه نهاية، والآخر يراه بداية متخفية.

الأول ينسحب، الثاني يستعد.

في الاقتصاد، في السياسة، في العلم، في العلاقات الإنسانية: أعظم التحولات سبقتها مؤشرات صغيرة تجاهلها معظم الناس. المستثمر الذكي يرى الإشارة قبل العنوان، والمفكر يرى الفكرة قبل أن تصبح موضة، والقلب الحي يشعر بالتحول قبل أن تتكلم به الوقائع.

لاحظ الطبيعة:

أشد ساعات الليل ظلمة تسبق الفجر مباشرة

وأشد انقباض في الولادة يسبق خروج الحياة

وأشد توتر في الامتحان يسبق إعلان النتيجة

الانفراج لا يأتي بعد الهدوء دائما، بل كثيرا ما يأتي بعد الذروة.

وجوزيف كامبل قال عبارته الشهيرة:

“الكهف الذي تخاف أن تدخله يخفي الكنز الذي تبحث عنه.”

الخوف أحيانا ليس إشارة توقف، بل إشارة اتجاه.

فلتؤمن بأن شيئا رائعا على وشك أن يحدث، ثم تصرف كأنك شريك في حدوثه.

طهِّرْ نيتك، وسع مهارتك، أصلح علاقاتك، ارفع وعيك، اقرأ أكثر، اكتب أكثر، اسأل أكثر…

المعجزات تطرق أبواب الساعين لا المنتظرين القاعدين !

الإيمان هنا ليس انتظارا سلبيا، بل استعداد نشط.

كمن يهيئ البيت قبل قدوم الضيف، لا لأنه رآه، بل لأنه واثق أنه قادم.

وقد قال المتنبي:

“على قدر أهل العزم تأتي العزائم”

وكأن العزم نفسه مغناطيس يستدعي ما يشبهه من النتائج.

لا تقل: متى سيحدث

قل: كيف أكون جاهزا حين يحدث!

لأن الشيء الرائع قد يكون على الباب فعلا

لكن الأمر يتطلب أن تفتح الباب من الداخل فقط !

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الدولة الراشدة لا تُدار بالقلب، بل بالميزان

ليس مطلوبا منك أن تُحب الحاكم، ولا مطلوبا من الحاكم أن يُحبك، حتى تُعامَل مواطنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *