الانهزام يبدأ حين يسقط المعنى في الداخل، المعنى هو التفسير الداخلي الذي يعطي لأفعالك وألمك وصبرك وقراراتك قيمة واتجاها؛ هو جوابك العميق عن سؤال: لماذا أعيش ولماذا أفعل ولماذا أتحمل؟
فإذا حضر المعنى صارت المشقة طريقا، وإذا غاب صارت عبثا…
الانهزام يبدأ حين يبرد اليقين، ويضطرب التصور، ويصير الإنسان أسير اللحظة لا حامل الرسالة.
هناك، في الداخل، في المساحة التي لا تراها الشاشات ولا تقيسها التقارير، تولد الهزيمة أو يولد النصر.
الذي أيقن أن الله بيده مقاليد كل شيء لا يعيش مكسور الظهر، حتى لو ضاقت به الأسباب.
لأنه يعلم أن الأسباب ليست آلهة، بل أدوات.
وأن القدر ليس فوضى، بل حكمة.
وأن التكليف ليس ضمان نتيجة، بل شرف محاولة.
نحن مأمورون أن نأخذ بالأسباب، نعم، لكننا منهيون أن نعبدها.
مأمورون أن نزرع، لا أن نتحكم في المطر.
نسعى، ولا نزعم أننا نصنع التوفيق.
التوفيق هبة، لا صناعة.
قال تعالى:
“وتوكل على الحي الذي لا يموت.”
هذه ليست دعوة للكسل، بل لتحرير القلب من الذعر. الذعر هو العبودية الجديدة في عصر الفوضى العالمية.
نحن نعيش زمنا تتداخل فيه القوى، وتتشابك فيه المصالح، وتذوب فيه الحدود بين الاقتصاد والامن والاعلام والسرديات.
حرب اليوم لا تدار بالمدافع فقط، بل بالمفاهيم.
لا تحتل الارض وحدها، بل تحتل الوعي.
تصنع الهزيمة احيانا عبر بث شعور العجز قبل اطلاق رصاصة واحدة.
لهذا قال أحد الحكماء بمعنى بليغ: ان من أعظم العقوبات أن يُخذل العبد من داخل قلبه.
في الواقع الدولي المضطرب، ترى دولا تملك ترسانات، لكنها فاقدة البوصلة.
وتجد شعوبا فقيرة الموارد، لكنها غنية بالمعنى، قادرة على الصبر والبقاء.
الفرق ليس دائما في ما تملك اليد، بل في ما يسكن الصدر.
كم من قوة عسكرية سقطت لأنها ظنت نفسها إلها، وكم من جماعة ضعيفة صمدت لأن أفرادها لا يرون أنفسهم إلا عبيدا لربّ عظيم قادر .
الحياة الدنيا نفسها اسمها يحمل دلالتها.
دنيا من الدنو، من القرب، من الانخفاض مقارنة بالحياة الآخرة.
هي مرحلة، لا غاية. ممر، لا مستقر.
ساحة اختبار، لا منصة تتويج.
قال تعالى:
“الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا.”
لم يقل سبحانه “أكثر عملا” ، بل أحسن.
الجودة لا الكثرة.
النية لا الضجيج .
الثبات لا الاستعراض.
في زمن تضخم الصورة، ينسى الناس الجوهر.
في عالم التداخلات العالمية، تتحول الاحداث الى مسرح ضخم، ويجري تضخيم الوقائع او طمسها بحسب مراكز القوة.
لكن سنن الله لا تتبدل بحسب نشرات الاخبار.
ميزان التمحيص يعمل بصمت:
ليميز الله الخبيث من الطيب.
الفرز سُنة. والتمحيص سُنة. والضغط سُنة.
وما نراه من اضطراب عالمي ليس دائما علامة نهاية، بل كثيرا ما يكون مرحلة غربلة.
التاريخ يعلمنا أن الفوضى ليست دائما شرا خالصا، بل قد تكون مخاضا.
المفكر ارنولد توينبي لخص مسار الحضارات بفكرة التحدي والاستجابة: الحضارات لا تموت بسبب التحديات، بل بسبب سوء الاستجابة.
التحدي قد يوقظ، وقد يبني، وقد يطهر.
لكن بشرط وجود معنى أعلى من الخوف.
الانهزام من الداخل هو أن تختزل نفسك في نتيجة عاجلة.
أن تربط الحق بالتمكين الفوري.
أن تظن أن تأخر الثمرة دليل فساد البذرة.
بينما منطق الوحي مختلف:
“فاصبر ان وعد الله حق.”
لم يقل ان النتيجة فورية، بل قال ان الوعد حق.
في الواقع العالمي اليوم، تختلط الاوراق:
تحالفات تتبدل، سرديات تتصادم، قوى تصعد واخرى تترنح.
من يقرأ المشهد بلا مرجعية ينهار نفسيا قبل أن يفهم سياسيا.
أما من يقرأه بعين الاستخلاف، فيرى أن حركة التاريخ ليست خارج ارادة الله، وأن التدافع بين الأمم جزء من هندسة البقاء:
“ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض.”
الانهزام الداخلي هو أن تتحول من شاهد على المعركة الى ضحية دائمة في وعيك، حتى لو كنت قادرا على الفعل.
وهو أيضا أن تسلم عقلك لرواية واحدة يكتبها الأقوى اعلاميا، لا الاصدق حقا.
لذلك كان التذكير عبادة عقلية وروحية معا:
“وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين.”
التذكير ليس تكرارا باردا، بل إعادة ضبط للبوصلة. إعادة وصل بين السبب والمسبب. ..بين الجهد والتوكل. ..بين العمل والرجاء. ..بين الدنيا والاخرة..
هو عملية انقاذ مستمرة للقلب من الغرق في اللحظة.
“اعرف الحق تعرف اهله”
في زمن الفوضى، لا تعرف الحق بكثرة الاتباع، ولا بضخامة المنصات، بل بميزان ثابت: هل يقربك هذا المعنى من الله، ام يربطك بالخوف فقط؟
لسنا مطالبين بأن نضمن النصر، بل أن نكون من اهله. ولسنا مكلفين بالتحكم في المشهد، بل بالصدق في الموقف.
الانهزام من الداخل خيانة لليقين، قبل أن يكون ضعفا في الادوات.
لهذا كان التذكير ضرورة، لا ترفا
ليس لأن الناس لا يعلمون، بل لأن الضجيج عالي. ولأن القلب ينسى تحت الضغط. ولأن اليقين يحتاج تغذية كما يحتاج الجسد طعاما.
نأخذ بالاسباب بكل ما نملك من عقل وخبرة وتخطيط.
ونسلم النتائج لله بكل ما نملك من ايمان ورضا.
نعمل كأن الامر كله متعلق بجهدنا، ونتوكل كأن الامر كله بيد ربنا. هناك فقط يسقط الانهزام الداخلي، حتى لو طال الطريق..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة