الدولة الراشدة لا تُدار بالقلب، بل بالميزان

ليس مطلوبا منك أن تُحب الحاكم، ولا مطلوبا من الحاكم أن يُحبك، حتى تُعامَل مواطنا كامل الحقوق.

الحقوق لا تُمنح بالحب، ولا تُسحب بالكراهية.

الحقوق تُثبت بالعدل – فقط بالعدل.

أخطر ما يصيب الدول ليس أن يختلف الناس مع حكامهم، بل أن تتحول المواطنة إلى علاقة عاطفية:

من أحببناه أنصفناه

ومن كرهناه ضيقنا عليه

ومن صفّق قُرّب

ومن انتقد أُبعد !

هنا لا تبقى دولة… بل مزاج حاكم…

الدولة الراشدة لا تُدار بالقلب، بل بالميزان.

ولا تُقاس بكم يحبها الناس، بل بكم يأمنها من لا يحبها.

في الأثر العميق عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين وقف أمام قاتل أخيه — جرح شخصي لا يُحتمل —

لم يسأل: ماذا أشعر؟

بل سأل ضمنا: ماذا يجب؟

فلما سُئل: أكراهيتك لي تمنعني حقي؟

جاء الجواب الذي يصلح أن يكون دستورا سياسيا: لا.

هذه “لا” تهدم فكرة الدولة الانتقامية،

وتبني فكرة الدولة القانونية.

قال الفيلسوف جون لوك:

“حيث لا يكون القانون حاكما، يكون البشر عبيدا لأهواء البشر.”

العدل الحقيقي صادم لأنه ينزع الامتياز من العاطفة،

ويمنع السلطة من استخدام مشاعرها كسلاح،

ويمنع المواطن من تحويل الولاء إلى رشوة أخلاقية.

ليست المواطنة قصيدة حب،

ولا نشيدا جماعيا،

ولا بيعة وجدانية.

هي عقد بارد… لكنه مُنصف.

واخطر انحراف سياسي هو أن يُطلب منك الحب كشرط للأمان،

والصمت كشرط للحق،

والتصفيق كضريبة للبقاء.

الدول العادلة لا تخاف من مواطن لا يحبها،

لكنها تخاف — بحق — من حاكم لا يعرف أن العدل أعلى من مشاعره..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

كان يظن أن العالم غرفة مغلقة… حتى سقط…!

كتب غابرييل غارسيا ماركيز: “الخائب الذي ألقى بنفسه إلى الشارع من شقة في الطابق العاشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *