الثورة ليست مجرد حدث مؤقت ينتهي حيث يسقط الطغاة المستبدون، إنما هي مسار تغيير دائم يصبغ وجه الحياة التي تعقب الثورة، وسلوك ينطلق من روحها ويحقق مكتسباتها، وهذا تحديدًا ما عبّرت عنه النسخة الاستثنائية لمعرض دمشق الدولي للكتاب، والذي عاد إلى أهل سوريا بلون الحرية.
لم يكن معرض دمشق بنسخته الأولى بعد سقوط النظام البائد مجرد عرسٍ ثقافي، إنما جاء كحدث يعكس قيم الثورة ومبادئها، ويُفعِّل التطلعات والتنظيرات نحو سوريا جديدة تتجاوز كل ما أرساه نظام عائلة الأسد من ألغام سياسية واجتماعية وبنيوية.
قبل هذا الحدث الاستثنائي، كان معرض الكتاب يقاد بالأصفاد جراء ديكتاتورية النظام، تلك الدكتاتورية التي انسحبت على الوضع الثقافي، فكانت الثقافة خادمة للطغيان لا للإنسان، كانت أشبه بزهرة في غرفة مغلقة يُنظر إليها من بعيد ولكن يحجب عنها الهواء، فالعقل مُحاصر والكلمة سجينة والفكر مُهدد والمثقف شخصية وظيفية تؤدي دورها الأوحد في تلميع النظام
تراكم الكُتاب وما كتبوا في المنفى خارج الوطن، وحُرم المواطن من إشباع رغباته المعرفية من مجالات ثقافية بعينها تحت سطوة إدارة المخابرات التي كانت تحدد ما يُقرأ وما لا يُقرأ، بدعوى مواجهة التطرف والإرهاب الفكري، حتى اشتهر معرض دمشق بأنه الأكثر بين المعارض الدولية في إقصاء واستبعاد المصنفات.
فجاءت هذه النسخة الوطنية للمعرض متناغمة مع تطلعات الشعب السوري والشعوب العربية بأسرها، قد استهلت فعالياته بهذا الافتتاح المشهود في قصر المؤتمرات بدمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع، ضمن مشاركة رسمية وثقافية واسعة، شملت لفيفًا من الوزراء والرموز السياسية والفكرية العربية، وقامات أدبية وثقافية رفيعة المستوى.
يُنبئ هذا الحضور الرسمي لقمة الهرم الإداري في سوريا، بأنه امتداد لإعلان نجاح الثورة وإيذان بعودة سوريا للسوريين، وعودتها كذلك إلى البيت العربي.
هذه الجموع الغفيرة التي وطأت أقدامها أرض المعرض، لم تكن تبحث في الأرفف عن مجرد كتب، إنما تبحث عن نفسها وعن تاريخها التي دونته أقلام ليست لها، عن حاضرها الذي تمت مصادرته، وعن مستقبل تنشد أن تكتبه بأيديها.
بدا واضحًا أن المعرض يدار بعقلية الدولة الراعية الخادمة لا بعقلية السلطة المُطوِّعة للحدث وفقًا لتوجهاتها السياسية، فليس هناك خطوط حمراء، إذ شهد المعرض أرقى أشكال التنوع الثقافي بلا وصاية من السلطة، فأكثر من خمسمائة دار نشر من أكثر من خمسة وثلاثين دولة، قدمت آلاف العناوين في مجالات الفكر والأدب والفلسفة والعلوم وكتب التراث الإسلامي وكتاب الطفل وغيرها من المجالات الثقافية، على اختلاف أيديولوجياتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي إشارة إلى قبول التعددية الفكرية في سوريا الجديدة، وهي ما حُرم منه السوريون زمنًا طويلًا.
أعمق الدلالات وأصدقها التي برزت خلال المعرض، هو ذلك الحضور الواضح للمكون الكردي، وهي المرة الأولى التي يشهد فيها معرض دمشق هذا التمكين للكتب الكردية المعبرة عن الثقافة والذاكرة الكردية، وخلال الجناح الخاص بالكتب الكردية ظهرت مجلات تاريخية من بينها مجلة هاوار التي كانت تصدر في دمشق عام 1939 وتعد أقدم إصدار باللغة الكردية في سوريا.
هي دلالة سياسية هامة، وترجمة عملية فورية للمرسوم الرئاسي الذي أصدره أحمد الشرع ويتعلق بحقوق المكوّن الكردي وحماية خصوصيته الثقافية واللغوية، ما يعكس ملامح المرحلة التي يراد خلالها دمج كل مكونات المجتمع السوري لبناء الوطن، بعد عقود من الإقصاء والتهميش تعرض له الأكراد تحت راية حكم البعث، فالدولة التي تخشى التعدد إنما تخشى الحقيقة ذاتها، والثقافة لا تزدهر إلا إذا تكلمت بكل لغاتها، والتنوع ليس تهمة، والاختلاف ليس خطرًا، والهوية ليست قيدًا يُفرض على العباد قسرًا.
جاء المعرض إعلانًا بانتهاء عهد القطيعة مع البيت العربي، والتي تسبب فيها النظام البائد الذي ارتمى في أحضان المشروع الإيراني، وفتح البلاد لتكون مسرحًا لعمليات الحرس الثوري ضد الشعب السوري، واستجاب للهيمنة الفارسية ونظّم علاقاته مع الدول العربية وفقا لهذه التبعية.
إن حضور السعودية وقطر كضيفي شرف هذا المعرض، وتواجد وزير الثقافة السعودي بدر بن عبد الله بن فرحان، ونظيره القطري عبد الرحمن بن حمد آل ثاني، يؤكد هذا المعنى، فالسعودية وقطر كانا أكثر من قدم يد العون للسوريين في عهدهم الجديد، وأكثر من ظاهر هذا البلد الذي أنهكه الاستبداد للعبور نحو مستقبل مشرق يليق بقيمة سوريا التاريخية وأهميتها السياسية والجغرافية.
وفرعٌ عن ذلك، حضور هذه الكوكبة من رموز الفكر والثقافة والأدب من عدد من الدول العربية، فجاء معبرًا عن كسر هذه العزلة التي فرضها نظام بشار الأسد على الشعب السوري إزاء الانفتاح على الأشقاء وفتح نوافذ سوريا أمام محيطها الثقافي.
إن هذا المحفل الثقافي المشهود ركيزة أساسية في بناء الجيل الجديد الذي نشأ بين الركام والأطلال وصوت القذائف والصواريخ ومشاهد الدماء، فهو الجيل الذي لم تُتح له الفرصة للتعرف على الوجه الجميل لوطنه، فها هو يقف اليوم خلال هذا المشهد أمام ملامح للوطن تتشكل من جديد وتستفزه لأن يكون عنصرًا فاعلًا في البناء.
إن الإدارة السورية الجديدة منوط بها حماية هذه الطفرة الثقافية من خلال التقنين، حتى لا تتآكل تلك الصورة الحية مع مرور الوقت، وحتى يبقى وهج الحرية الذي ظهر بها ذلك العُرس، بحيث يعبر عن توجه دائم لا مؤقت، فالثورة لا يحميها البأس والقوة فقط، وإنما تحميها الثقافة والوعي أيضًا.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة