ليست كل الحروب التي يخوضها الناس في المحاكم تبدأ بخيانة أو بجرح غائر…

ليست كل الحروب التي يخوضها الناس في المحاكم تبدأ بخيانة أو بجرح غائر…

أحيانا تبدأ من كلمة زائدة لا داعي لها، من تراكمات صغيرة، من كبرياء لا ينحني، ومن ذاكرة تحفظ السيئات وتقذف الحسنات خارج السِجِلّ.

يروي أحد القضاة حكاية تُحاكي حالة شفاء تحدث بعيدا عن التوقعات…

**زوجان قدما إلى المحكمة يُصرّان على الطلاق

-الزوجة طالبة الفسخ، والزوج مؤيد بلا تردد، وكأن كليهما جاء يسلم مفاتيح بيت احترق.

-القاضي لم يتعجل..

قام بتأجيل الجلسة عدة مرات..

يترك للعناد فرصة أن يهلك، وللصدور مساحة أن تُراجع صخبها.

-كانا يعودان إلى الجلسة التالية أكثر غضبا، أكثر إصرارا، وكأنهما يخافان من هدنة قد تتسلل إلى القلب رغما عنهما…

*في الجلسة الاخيرة، قبل أن ينطق القاضي بشيء، طلب من الزوج أن يجلس أمام ورقة وطاولة.

قال له: “اكتب عشر حسنات لزوجتك… لا أريد شتيمة، لا أريد سردا للعيوب، بل أريد ما بقي من نور وسط هذا الركام… اكتبها لنفسك، لن اقرأ ما كتبت.”

-كتب الرجل…

ثم أعطى الورقة لزوجته.

بدأت تقرأ…. وكل جملة كانت كمن يزيح عن قلبها غبار عام كامل من الأسى !

-ابتسامة تتسع

-عينان تهربان وتعودان

-خجل مفاجئ

-نظرة حنين لا تريد أن تعترف ان كل خلية فيها قد اشتاقت للتوّ كمن لم تعرف الاشتياق من قبل….

-ثم كتبت الزوجة بدورها عشر حسنات له ..

وحين قرأها الرجل، بدا أن سحابة سوداء كانت تحجب نبضا قديما وشفافة، وانفجرت ضحكة لم يسمعها القاضي من قبل من رجل كان قبل دقائق يتحدث عن الطلاق بثقة الجزار الذي اختار سكينه…

*يقول القاضي: تركتهما لدقيقتين … ولما عدت، سمعتهما يتهامسان…

عاتبان، لا غاضبان…

وكأن المعركة التي اشتعلت لأشهر كانت وَهما، وكأن هذا الهمس البسيط هو النسخة الاصلية من علاقتهما، تلك النسخة التي اكتسحها غبار الغضب لأسابيع طويلة…

*قال لهم القاضي:

“اخرجا سويا… تناولوا غداء… وغدا تعودان، وسأنطق بالحكم الذي تريدانه.”

*عادا من الغد ويداهما مُتشابكتان..

فسألهم: “هل أُثبّت الطلاق؟”

قالا: “لا… عُدنا لبعضنا. عُدنا أمس. كل شيء سيء وسلبي انتهى” !

ويختم القاضي:

“إلى اليوم لا أعرف ماذا كتب كل منهما… ولا يهمني أن أعرف…

ما أعرفه أننا نفقد أحبّتنا حين نُطيل النظر في النقص، وننسى أن الحقيقية مُوزعة بالعدل:

– لكل واحد عيوب، ولكل واحد حسنات

– لكن العيون التي لا تبصر إلا القُبح لا ترى النور ولو كان ملء السماء.”

**نحن نحتاج أحيانا إلى ورقة…

إلى لحظة هدوء…

إلى بصيرة وحكمة تقودنا قبل أن تقودنا المحكمة…

إلى قاض ذكي يعلم أن القلوب لا تُرمم بالنصوص القانونية بل بكلمة تذكر الإنسان بما نسيه.

ليس الزواج وحده…

الصداقة كذلك…

الأُخوّة كذلك…

علاقة الجار بالجار ورفيق المدرسة وزميل العمل وصاحب الدُكّان والجزار والحداد والسبّاك وسائق التاكسي..

العلاقات كلها تنهار حين نفتح سجلات الأخطاء ونُحاسب الناس على هفوة او نحكم عليهم بعد موقف واحد .. ونُغلق سجلات الحسنات والمزايا…

وحين نكتب الأمور الجيدة على الرمل، بينما ننحتُ السيء على الحجر.

لكن الحياة أجمل حين نقلب المعادلة:

“حين نكتب الحسنات على الحجر، والسيئات على الرمل”

فرُب كلمة حُب واحدة تُنقذ عاما من النكد… بل عمرا بأكمله من خيبة الأمل!

ورُب وصفا جميلا لذكرى واحدة تكسر شقاء طويلا…

الحياة لا تحتاج عباقرة يا معشر الكرام، بل تحتاج عيون تعرف كيف ترى الخير في الآخر.

كما قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه:

“احمل أخاك على سبعين محملا من العذر”

وما قاله ابن القيم عليه رحمة الله:

“لو علم الناس ما في العفو من جلال لالتمسوه ولو مع أذى”

وما قاله القرآن:

“ولا تنسوا الفضل بينكم”

هذه الآية وحدها تكفي لإنقاذ بيوت، وصداقات، وقلوبا كانت ستسقط لولا بصيص نور صغير…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الوجه مرآة الروح

حين يُقال إن الوجه مرآة الروح، فالمقصود ليس تفاصيل الملامح بقدر ما هو أثر الداخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *