الرئيسية / تقارير / الجامعة العربية.. مواقف انتقائية وحرج أمام الشعوب

الجامعة العربية.. مواقف انتقائية وحرج أمام الشعوب

ـ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعهد بتحرير “المجتمعات المحلية من التنظيمات الإرهابية، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية”.
ـ تكافح تركيا منذ بداية إعلان (بي كا كا) الحرب على القوات التركية عام 1984 للحفاظ على أمنها الداخلي بكلفة عالية في أرواح الجنود والمواطنين الأتراك.
ـ تصنف “بي كا كا” كمنظمة إرهابية على لوائح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وإيران وسوريا وأستراليا.
ـ لا توجد أية مؤشرات على أن عملية “نبع السلام” تهدد السلامة الإقليمية للدولة السورية.
ـ ما يثير الاستغراب أكثر هو موقف جامعة الدول العربية التي اجتمعت لتعلن رفضها لعملية “نبع السلام” وهي لا تعبر في حقيقتها عن موقف الشعوب، إنما موقف حكومات بعض الدول العربية فقط.
ـ رغم الاجتماع الذي دعت إليه مصر، على مستوى مجلس وزراء الخارجية العرب، إلا أن أكثر من نصف الدول العربية اكتفت بتمثيلها على مستوى المندوبين في الجامعة
ـ  الحرج الأكبر الذي تواجهه جامعة الدول العربية أمام الشعوب يتمثل بالتركيز على موقفها “العدائي” وغير المنصف من تركيا وعملية “نبع السلام”.


مساء 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عملية “نبع السلام” في مناطق سيطرة فصائل مسلحة في سوريا مرتبطة بالإرهاب.

العملية جاءت بعد قرار اتخذه الرئيس الأمريكي بسحب كل جنوده من جميع مناطق سوريا، باستثناء قاعدة التنف العسكرية على الحدود السورية العراقية.

وتعهد الرئيس التركي بتحرير “المجتمعات المحلية من التنظيمات الإرهابية، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية” في سياق العملية التي تهدف إلى “تحييد التهديدات الإرهابية لتركيا، وإنشاء منطقة آمنة لتسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم”.

طيلة سنوات، شكلت وحدات حماية الشعب، تهديدا للأمن القومي والداخل التركي انطلاقا من مناطق سيطرتها في المناطق المحاذية للشريط الحدودي السوري التركي.

وتكافح تركيا منذ بداية إعلان تنظيم بي كا كا الإرهابي الحرب على القوات التركية عام 1984 للحفاظ على أمنها الداخلي بكلفة عالية في أرواح الجنود والمواطنين الأتراك الذين يروحون ضحية الأعمال الإرهابية لـ بي كا كا الذي يتخذ من جبال قنديل شمال العراق مقرا لمعسكراته وقواعده.

ويصنف “بي كا كا” كمنظمة إرهابية على لوائح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وإيران وسوريا وأستراليا، بينما لا خلاف على أن “وحدات حماية الشعب” هي الأخرى تخضع لذات التصنيف كإرهابية، على اعتبار أن هذه الوحدات التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا تمثل الجناح العسكري لـ بي كا كا.

وبدا مستغربا مواقف دول أوروبية وعربية “غاضبة” من عملية “نبع السلام” ضد التنظيم المصنف عند ذات الدول أنه تنظيم إرهابي.

أبلغت تركيا أثناء التحضيرات الأخيرة لبدء العملية أعضاء مجلس الأمن الدولي وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي بكل ما يتعلق بالعملية العسكرية وأهدافها، وكذلك المسوغات القانونية التي تجيز لها شن مثل هذه العملية العسكرية.

بالإضافة إلى اتفاقية أضنة لعام 1998 بين تركيا وسوريا التي تعطي الحق لتركيا بالتوغل في الأراضي السورية لمطاردة بي كا كا، فإن تركيا أيضا تستند إلى حقها الأساسي في الدفاع المشروع عن أمنها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وآخرها القرار 2254 لعام 2015 بشأن حق الدول في العمل على مكافحة الإرهاب.

وتؤكد تركيا أنها عازمة على المضي قدما في تحقيق أولوياتها في ضمان أمنها القومي ومكافحة التنظيمات الإرهابية وتحدي التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية أو مواقف جامعة الدول العربية الداعية لخفض التمثيل الدبلوماسي وما يتعلق بالجانب الاقتصادي.

لا توجد أية مؤشرات على أن عملية “نبع السلام” تهدد السلامة الإقليمية للدولة السورية، بل على العكس من ذلك، فإن العملية تهدف إلى دفع مخاطر السياسات “الانفصالية” التي يعتمدها بي كا كا وتعزيز السلام والاستقرار في شمال شرق سوريا من خلال القضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة، بي كا كا الإرهابي وتنظيم داعش، بما يمهد الطريق لعودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم، وهو هدف معلن من أهداف العملية يمكن أن يخفف الأعباء الإنسانية عن اللاجئين والنازحين، والأعباء المالية والأمنية عن دول الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من تدفق اللاجئين إلى دوله.

لذلك تبدو مواقف الدول الأوروبية مناقضة لسياساتها المعلنة في منع تدفق اللاجئين، ومكافحة الإرهاب وهي من الأهداف المعلنة للعملية العسكرية التركية.

لكن ما يثير الاستغراب أكثر هو موقف كثير من الدول العربية، وجامعة الدول العربية التي اجتمعت لتعلن رفضها لعملية “نبع السلام” ووصفها بأنها “عدوان وغزو واحتلال تركي للأراضي السورية”.

ولا تعبر مواقف جامعة الدول العربية في حقيقتها عن موقف الشعوب، إنما موقف حكومات بعض الدول العربية فقط.

وتمر المنطقة العربية بأوضاع معقدة منذ سنوات طويلة بسبب قضايا شائكة، مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واحتلال العراق والتدخلات الخارجية في عدة دول، العراق وسوريا واليمن وليبيا، وغيرها من التحديات التي بدت مواقف جامعة الدول العربية دون مستوى التصدي لها أو اتخاذ موقف عربي يحظى بإجماع الدول العربية، أو على الأقل توافق معظمها على موقف محدد، وهو ما فشلت به طيلة مسيرتها التي تمتد لسبعة عقود.

تدرك العديد من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية أن هذه المؤسسة فاقدة لقيمتها الرسمية والاعتبارية، وأن المواقف التي تتخذها ليست أكثر من مواقف تمليها البروتوكولات وسياسات المجاملة بين الدول، إذ أن قراراتها ليست ملزمة وتفتقر إلى الآليات التنفيذية في كل ما يتعلق بالجانب السياسي.

لذلك، فإن دولا عدة وقعت على بيان الجامعة خلال الاجتماعات، لكنها أعلنت مواقفها الرسمية عبر وزارات خارجيتها ببيانات بعيدة إن لم تكن مناقضة لمواقفها تلك، وهو أمر مألوف في مسيرة الجامعة.

رفضت كل من دولة قطر والصومال التوقيع على بيان جامعة الدول العربية، والتحقت بهما كل من ليبيا والمغرب ببيانات وتصريحات رسمية صدرت عن وزارتي خارجيتهما.

وسبق اجتماع جامعة الدول العربية مواقف عربية مؤيدة للعملية، مثل موقف دولة قطر التي أيدت العملية كحق سيادي تركي.

كما أن وزارة الخارجية الليبية هي الأخرى أعلنت تأييدها للعملية العسكرية ورفضها لبيان جامعة الدول العربية الداعي لخفض التمثيل الدبلوماسي مع تركيا ووقف التعاون معها، على اعتبار أن قرارات الجامعة وبياناتها باتت “رهينة لحسابات وأجندة دول عربية بعينها، وهي مصر والإمارات، اللتين تعملان على زعزعة استقرار ليبيا”.

ورأت الصومال في كلمتها خلال الاجتماع أن تركيا “دولة صديقة لبلاده” عززت كل ما من شأنه استعادة الأمن والاستقرار في الصومال، وهو قريب من موقف المملكة المغربية التي أعلنت في تصريح رسمي تحفظها الضمني على بيان الجامعة “الذي لا يعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي للمغرب التي ترى أن تركيا دولة صديقة”.

قد يكون الاستفتاء الأكبر على موقع جامعة الدول العربية في وجدان الشعوب العربية، هو موقفها الداعم لعملية نبع السلام على أوسع نطاق وفي جميع نوافذ التعبير المتاحة لرفض بيان الجامعة وتأييد العملية العسكرية في موقف شعبي متقدم يعكس الشرخ الواسع بين هذه المنظمة وشعوب الدول المُمثَّلة فيها.

رغم الاجتماع الذي دعت إليه مصر، على مستوى مجلس وزراء الخارجية العرب، إلا أن أكثر من نصف الدول العربية اكتفت بتمثيلها على مستوى المندوبين في الجامعة، وهو ما يعكس حالة الحرج لدى بعض الحكومات، وإدراك حكومات أخرى لعدم أهمية مثل هذه الاجتماعات أو ما سيصدر عنها.

إن كثرة الدول التي تتدخل في الشأن السوري سواء عبر قوات عسكرية أو مجموعات مسلحة، وموقف جامعة الدول العربية بعد اتخاذ موقف إزاء تلك التدخلات طيلة سنوات الحرب في سوريا، وضعها في موقف محرج أمام الشعوب العربية التي تتساءل عن موقف الجامعة من عمليات الإبادة سواء بالقصف الجوي الروسي أو بالقصف الذي تشنه مقاتلات نظام بشار الأسد، أو من خلال اقتحام المدن من قِبل الميليشيات الإيرانية وقوات النظام.

كما أن الحرج الأكبر الذي تواجهه جامعة الدول العربية أمام الشعوب العربية يتمثل بالتركيز على موقفها “العدائي” وغير المنصف من تركيا وعملية “نبع السلام”، في ذات الوقت الذي خلا البيان من أية إشارة إلى الدور الأمريكي والروسي والإيراني في سوريا وتدخلاتهم في الشأن السوري وانتهاك سيادة الدولة السورية.

إن منظمة إقليمية مثل جامعة الدول العربية يفترض بها أن تكون طرفا نزيها ووسيطا محايدا لتخفيف حدة التوترات بين الدول العربية أو بين هذه ودول إقليمية من دول الجوار لإيجاد الحلول للمشاكل العالقة بما يكفل انتقال الدول العربية مجتمعة إلى قوة إقليمية تلعب دورا رياديا في كل ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الرد السعودي على إيران عالق بين قوة الدواعي وخوف التبعات

من المتوقع في نهاية المطاف أن تلتزم السعودية بمواقفها ما قبل هجمات أرامكو من حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *