الرهبان المسلمين

ليس التحريف الذي يتعرض له الإسلام اليوم آتيا من نصوصه ولا من جوهره، بل من صورة التديُّن التي يصنعها بعض المتدينين لأنفسهم ثم يرفعونها إلى مرتبة المعيار الإلهي !!

يظن أحدهم أن طريقته الخاصة في التعبُّد هي الإسلام ذاته، وأن ما عداها نقصان في الدين أو انحراف عنه، فيتحول التدين من عبودية لله إلى ولاء لنسخة بشرية ضيقة من الدين.

وهذا الخلط هو أخطر ما يُبتلى به الوعي الإسلامي، لأن الإسلام لم يجعل لأحد وصاية على قلوب العباد، ولم يكلّف بشرا أن يكونوا مُمثلين رسميين عنه، بل قال تعالى: “فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها” …

وجعل ميزان التعبد خفيا بين العبد وربه لا يطلع عليه مدّعٍ ولا متصدر…

لكن التحريف يتفاقم حين تُنصَب بعض الشخصيات باعتبارها النماذج الوحيدة للإسلام الصحيح، فيُعطى الاتباع منزلة الطاعة، ويُستبعد التفكير والاجتهاد، ويصبح نقد تلك الشخصيات كأنه طعن في الدين نفسه !!

هذه ليست سمة من سمات الإسلام، بل بقايا فكر “كهنوتي” اندثر من حضارات غابرة، عاد في ثوب جديد يرتديه من استنسخوا لأنفسهم دور “الرهبان المسلمين” الذين يريدون الوصاية على العقول والنفوس…

لقد حذّر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من هذا المسار حين قال: “لا يُعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله” ..

فالإسلام دين معيار، لا دين اشخاص …

وكل من يربط الصواب بذاته، او يُنصّب نفسه بوابة للحق، إنما يصنع حجابا بين الناس وبين نور الوحي.

ومع الوقت، وجد بعض الحُكام وولاة الأمور في هذا النمط من التدين فرصة ذهبية، فاستثمروا هذا التحريف ليحوّلوا مواقفهم البشرية إلى أحكام سماوية، وقراراتهم السياسية إلى أوامر مقدسة، والخلاف معهم إلى كفر بالشرعية…

وهكذا انقلبت العلاقة من علاقة أُفقية بين رأي بشري وآخر، إلى علاقة عامودية متصلبة، يُراد فيها للناس أن يخضعوا لإرادة الحاكم كما يخضعون لله، في امتداد خطير لمنطق “ما أريكم إلا ما أرى” الذي ذمّه القرآن.

صار البعض يتحدث بلسان الحال وكأن بينه وبين الله عهدا خفيا،

وكأن من يخالفه يخالف السماء،

ومن ينقده ينقد الوحي،

ومن يراجع رأيه يراجع الدين ذاته….

وهذا هو عين ما حذر منه ابن تيمية -عليه رحمة الله- حين قال: “كل من جعل شخصا تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا الرسول فهو مشرك” ..

وهنا يتجلى التحريف في أقبح صوره:

ليس تحريفا للنص، بل تحريفا للمكانة …

ليس إضافة حرف، بل سرقة مقام….

فتتحول السلطة الدينية إلى مطية للسلطة السياسية، وتتقاطع المصالح ليُنتج الطرفان منظومة من القداسة الزائفة التي لا تعرفها شريعة ولا يُقرها عقل.

إن أخطر ما قد يُبتلى به الدين ليس الهجوم عليه من الخارج، بل اختطافه من الداخل،

حين يتحول التدين إلى جدار، والاتباع إلى قيد، والرموز إلى آلهة صامتة…

وحين ينسى الناس ان الإسلام أكبر من الجميع، وأنه ليس مُتوقفا على شخص ولا جماعة ولا حزب ولا تنظيم مهما كان في مظهره ومنهجه أقرب الى منهج الحق، بل هو نور الله الذي لا ينطفئ بقيام أحد ولا بزوال أحد ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا غابت الأسطورة عن الأدب الإسلامي؟

كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *