يا عبد الله الشريف… ليست كل صرخة حقّا وشجاعة..

يا عبد الله الشريف… ليست كل صرخة حقّا وشجاعة..

وليس كل غضبٍ بصيرة…

لا أكتب هذا تشفيّا، ولا رغبة في إسقاط إعلاميّ له حضور وتأثير، ولا لأنني أرى أن الخطأ يمحو كل حسنة، أو أن الزلل يبتلع الإنسان كله…

أكتبه لأن الكلمة حين تخرج إلى الناس لا تبقى ملك صاحبها، ولأن اللسان إذا صار منبرا عامّا صار وزره أعظم، وأثره أبعد، ومسؤوليته أثقل….

فقد قال الله تعالى:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾،

وقال سبحانه:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾….

لكن حسن القول لا يعني تمييع الحق، والحكمة لا تعني السكوت عن الخلل، والرفق لا يعني أن نترك المفاهيم تتبدل أمام أعيننا حتى يصبح الباطل مألوفا لأنه جاء في ثوب غضبٍ جميل وفي توقيت يتلهّف الناس فيه لهذا النوع من الحِدّة….

المشكلة يا عبد الله ليست أنك تغضب لغزة، فكل قلبٍ بقي فيه شيء من الإيمان والإنسانية لا يستطيع أن يرى ما يجري هناك ثم يبقى باردا…

المشكلة أن الغضب حين لا ينضبط بالعلم، يتحول من نار على العدو إلى نار تأكل وعي أصحابه….

غزة لا تحتاج منا أن نكسر موازين العقيدة باسم نصرتها….

ولا تحتاج أن نُجمّل مشروعا طعن أهل السنة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، لمجرد أنه دخل في مواجهة مع عدو نكرهه جميعا…

ولا تحتاج أن نخلط بين الانتصار للمظلومين، وبين غسل تاريخ طويل من الدماء والشعارات المسمومة….

لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نُعطي صك براءة لمن كان له أثرٌ عميق في تمزيق بلاد المسلمين، فقط لأنه رفع صوته في لحظة معينة ضد عدوٍّ آخر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلمة عظيمة المعنى:

“ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين.”

وهنا جوهر المسألة: لسنا أمام عالَمٍ بسيط فيه أبيض وأسود فقط…

نحن أمام مشاريع، ومحاور، ومصالح، وعقائد، ودماء، وتاريخ طويل من الخداع السياسي….

وليس من الفقه أن نرى صاروخا متجها إلى إسرائيل فننسى ألف جرحٍ مفتوح في جسد أهل السنة….

إن حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم دين، وتعظيم الصحابة دين، وحفظ مقام أمهات المؤمنين دين، والكف عن الوقوع في رموز الأمة دين….

ولا يجوز أن يتحول الانبهار السياسي إلى تطبيع عقدي، ولا أن يصبح سب الصحابة أو الطعن فيهم “تفصيلًا صغيرا” أمام مشهد عسكري عابر.

فأبو بكر ليس شخصية تاريخية قابلة للمساومة….

وعمر ليس اسما في أرشيف الصراع….

وعائشة رضي الله عنها ليست مادة للتأويل أو التخفيف أو التبرير….

هؤلاء دينٌ في ضمير أهل السنة، ومقامهم من مقام النصوص التي زكاهم الله ورسوله بها.

ثم إن الإنصاف يقتضي أن يُقال ما يُحمد كما يُقال ما يُنتقد….

فليس من العدل أن نختزل الرجل في خطأ نراه، أو أن نمحو مواقف سابقة بسبب زلة لاحقة….

وقد كان لك يا عبد الله الشريف مواقف مشكورة في الرد على من تطاولوا على أهل السنة، وفي كشف بعض الخطابات التي حاولت تحويل سب الصحابة والطعن في رموز الأمة إلى أمر ثانوي يمكن تجاوزه تحت ضغط السياسة أو حرارة المعارك….

ولذلك كان موقفكَ من الأصوات التي تسب أهل السنة أو تتخفف من مقام الصحابة وأمهات المؤمنين موقفًا تُشكر عليه؛ لأن حفظ مقامهم ليس تعصُّبا لأشخاص، بل وفاء للنصوص التي زكَّاهم الله ورسوله بها…

ومن هنا يكون الخلل خطيرا حين تُستخدم العاطفة السياسية لهز الثوابت العقدية. فالناس، وخصوصا الشباب، لا ينتقلون من الحق إلى الباطل دفعة واحدة، بل ينتقلون عبر الإعجاب، ثم التهوين، ثم التبرير، ثم الانبهار، ثم الدفاع.

وهكذا تبدأ الهزيمة الداخلية:

أن يصبح صاحب العقيدة المنحرفة “أشجع منا”، ثم “أنقى منا”، ثم “أقرب إلى الحق منا”، ثم لا يبقى في ذهن الجيل إلا أن أهل السنة خذلوا، وغيرهم نصر، فينهار الميزان كله…

يا عبد الله…

ليس كل من شتم الحُكّام صار حرّا…

وليس كل من هاجم العلماء صار ناصحا ناضجا شجاعا..

وليس كل من رفع صوته صار صاحب بصيرة ورؤية عبقرية….

وليس كل من أبكى الناس صار صادق المنهج….

إننا نعيش زمنا خطيرا أصبحت فيه الخفة تُشبه الشجاعة، والشتيمة تُباع على أنها ثورة، والسخرية تُقدَّم كوعي، والصراخ يحل محل الدليل…..

لكن الحق لا يُقاس بعدد المشاهدات، ولا بحرارة التعليقات، ولا بحجم التصفيق، بل بميزان الوحي والعلم والعدل…..

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.

والعدل هنا لا يكون مع من نحب فقط، بل مع من نكره أيضا….

ولا يكون ضد خصومنا فقط، بل ضد أنفسنا حين تغلبنا العاطفة….

ثم إن الطعن العام في علماء أهل السنة، وجعلهم كتلةً واحدة من الجبن أو العمالة أو المداهنة، ليس عدلا ولا إنصافا….

فعلماء الأمة عبر تاريخها الطويل لم يكونوا نسخة واحدة، ولم تجتمع اجتهاداتهم يوما على رأي واحد في النوازل الكبرى….

اختلفوا في السياسة، وفي تقدير المصالح والمفاسد، وفي فقه الفتن، وفي المواقف من أحداث عظيمة هزّت الأمة، وكان فيهم من أصاب، ومن أخطأ، ومن غلب عليه اجتهاده، ومن ظهر خطؤه بعد ذلك….

لكن الخطأ في الاجتهاد شيء، وتحويل العلماء جميعا إلى خصوم للأمة شيء آخر…

قال الإمام الشافعي رحمه الله:

“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

فهل كل من أخطأ في تقدير موقف سياسي صار ساقطا يا عبدالله؟

وهل كل من لم يوافق غضبنا اللحظي أصبح متهما مشكوكا في دينه أو نيّته؟

وهل هكذا كانت طريقة أهل السنة في التعامل مع العلماء؟

ليس من الإنصاف أن نختزل أمة كاملة، وتاريخا طويلا، ومدرسة واسعة، في بعض المواقف أو الأصوات أو الاجتهادات التي نختلف معها، ثم نقول: هؤلاء هم أهل السنة…..

كما أنه ليس من العلم أن نأخذ موقفا عسكريا مُعيّنا له أسبابه ودوافعه فنُحوّله إلى شهادة تزكية كبرى، ثم نقول: هؤلاء هم البديل الإيماني الذي يستبدلنا الله به.

الأمة لا تُبنى بجلد ذاتٍ أعمى….

ولا تُنصر غزة بإسقاط ثقة الناس في علمائهم دُفعة واحدة….

ولا يُحمى الدين بتحويل الشباب إلى جمهور غاضب لا يثق إلا بمن يصرخ له، ويشتم له، ويؤدي أمامه مشهد البطولة كل أسبوع….

نحن بحاجة إلى خطاب يوقظ الأمة لا يبعثرها….

يُحمّسها دون أن يخدعها….

ينصر غزة وألف قضية إسلامية تقطر من دماء إخوتنا دون أن يبيع عقيدة أهل السنة….

ينتقد الحُكام دون أن يهدم معنى العلم….

ويكشف الخذلان دون أن يُلمّع مشاريع أخرى لا تقل خطرا حين تملك القدرة…

إن من أخطر ما في زمن المنصات أن الرجل قد يبدأ ناصحا، ثم تأخذه موجة الجمهور والهُتاف والتصفيق الحادّ…

يصفقون له كلما اشتد، حتى يصير أسيرا للصورة التي صنعها الجمهور له، فلا يعود يراجع نفسه، لأن الرجوع في زمن التصفيق يبدو هزيمة….

لكن الرجوع إلى الحق ليس هزيمة….

بل القوة الحقيقية أن يقول الإنسان: أخطأت….

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي.”

فليست الكرامة في أن نمضي في الخطأ حتى النهاية، بل في أن نقف قبل أن يتحول الخطأ إلى منهج، والمنهج إلى فتنة، والفتنة إلى ميراث يتربى عليه جيل من المسلمين…

يا عبد الله…

غزة أقدس من أن نجعلها جسرًا لتلميع الباطل….

وأهل السنة أكرم من أن يُختصروا في مشاهد مبتورة أو اجتزاءات هنا وهناك….

والصحابة الكرام رضي الله عنهم أجلُّ من أن يُفتح حولهم باب التلاعب والتأويل….

والحق أعزّ من أن نخدمه بأدوات الغضب وحدها….

قل ما شئت في خذلان العرب، وفي عجز المسلمين، وفي جريمة الصمت، وفي تواطؤ المتآمرين، لكن لا تجعل وجع غزة بابا لهدم ثوابتٍ لا تقوم الأمة إلا بها…

نحن لا نريد خطابًا باردا يقتل الغيرة، ولا خطابا مُنفلتا يقتل البصيرة…

نريد نصرةً لا تذيب العقيدة، وشجاعة لا تخلط بين العدو المرحلي والخطر الممتد….

وفي النهاية، سيبقى الميزان واضحا لمن أراد السلامة:

نحب من نحب لله، ونبغض من نبغض لله….

نفرح بكل ألمٍ يصيب عدونا، لكن لا ننسى مَن آذى أهلنا….

ننصر المظلوم، لكن لا نبرئ كل من رفع شعار نصرته…

ونقول للباطل: باطل، ولو جاء ملفوفا براية ترفعها العاطفة….

اللهم اهدِ عبد الله الشريف، واهدِنا جميعا، ورُدّنا إلى الحق ردّا جميلا، واحفظ على شباب المسلمين عقيدتهم وبصيرتهم، وانصر أهل غزة نصرا من عندك، ولا تجعل وجعهم سُلّمًا لمشروعٍ يفسد على الأمة دينها ووعيها..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

طغيان المحتوى الترفيهي وأثره على وعي المجتمع

نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: “إني لأبغض الرجل فارغا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *