لم يكن الناس حولي هكذا…

لم يكن الناس حولي هكذا…

لم يُولدوا وهم يتبادلون الشكوك …

ولا كانوا ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم مشاريع اتّهام جاهزة….

كان الاختلاف اختلافا، لا قرينة إدانة….

لكن شيئا ما تغيّر… لا في الناس وحدهم، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى الناس…

الشك، في أصله، أداة معرفة… يقول ديكارت: أنا أشك… إذن أنا أفكّر أو موجود.

لكن ما نعيشه اليوم ليس شكًّا يُنتج فهما، بل شكّا يُنتج خصومة….

لم يعد السؤال: هل هذا صحيح؟ بل: لمن يعمل هذا؟

لم يعد المعيار: الفكرة… بل الجهة التي يُفترض أنها خلف الفكرة….

وهنا يتحول الشك من وسيلة للبحث… إلى سلاح للتجريد.

من صنع هذا المناخ؟

ثمة جماعات لا تكتفي بإبداء رأيها في الأحداث والأشخاص والقضايا،

بل تعمل على تشكيل البيئة التي يُستقبل فيها الرأي…

تُغرِق الفضاء العام بمفردات من نوع:

“مأجور”… “مرتبط بجهات معينة”… “له أجندة”…

“اشترته المخابرات”… “عقد صفقة مع جهاز أمني”…

حتى تصبح هذه الكلمات… لغة يومية، لا تحتاج إلى دليل.

وإذا فكّر أحدٌ في مقاضاة من افترى عليه، حُوِّل المتهم إلى بطل، لمجرد أنه يرفع صوته ضد الدولة أو الحكومة .. ولو كان – في حقيقته – أسخف الناس خُلقًا،

وأكثرهم كذبا واستعراضا، وأشدهم استهانةً بالحقيقة وكرامة الآخرين.

للأسف، هناك جماعات أقنعت الناس أن هذا هو “الدفاع عن الحق”،

وأن التقرب إلى الله يمر عبر هذه اللغة.

للأسف، يمارسون تأثيرا واسعا… حتى حين يبدو لنا العكس.

والمفارقة أنهم سيقرؤون هذا الكلام، فيعتبرونه انتصارا لهم،

ويقولون: “ألم نقل إن الفكر لا يموت؟”

لكن -وعزة الله – لا يمكن لأمة أن تنتصر بالكذب، ولا أن تُبنى بالشيطنة،

ولا أن تُطهّر بالتشكيك في خلق الله….

مع الوقت، لم يعد الاتهام بحاجة إلى إثبات، بل أصبح افتراضا أوليا.

لم يعد الخطر في أن يتهمك أحد، بل في أن يصبح الاتهام هو التفسير الأقرب لكل شيء.

من المسؤول؟

حين تُسأل هذه الجماعات، تنفي مسؤوليتها المباشرة، وتقول:

“هل كل من شتمكم منا؟” … “أثبتوا أن أحدهم ينتمي إلينا.”

والسؤال يبدو منطقيًا… لكنه يُخفي نصف الحقيقة.

فالمشكلة ليست في كل من شتم، بل في اللغة التي جرى تعميمها،

وفي المعايير التي تم غرسها، عبر إعلامٍ نشط، وحسابات مؤثرة،

تعتبر نشر هذه اللغة… جزءًا من “الجهاد في سبيل الله”، ضد كل من لا يُمجّدها أو ينتمي إليها…..

حين تُزرع فكرة أن كل مختلف مشبوه، وأن مستقبله محروق إن لم ينحنِ للجماعة،

فلا عجب أن ينمو الشك… حتى خارج حدود من زرعه.

في هذا المناخ، لم تعد الأفكار هي التي تُناقش، بل الأشخاص.

تُختزل المسيرة في “نية مفترضة”، ويُلغى الجهد أمام “شبهة محتملة”.

حتى يصبح الدفاع عن النفس هو الجهد الأكبر، لا تقديم الفكرة.

قد يظن البعض أن هذه المعركة ضد أشخاص، لكنها في حقيقتها ضد شيء أعمق:

الثقة.

حين تُهدم الثقة، لا يعود المجتمع قادرا على الحوار، بل يتحول إلى ساحة تصنيفات.

كلٌ يشك في الآخر، وكل فكرة تُحمَّل بما ليس فيها.

لم يكن الناس هكذا…

لكنهم أصبحوا كذلك حين تعلّموا أن ينظروا إلى بعضهم بعين الشبهة.

والمعركة هنا ليست دفاعًا عن اسمٍ أو موقف،

بل دفاع عن حق الإنسان أن يُفهم… قبل أن يُتَّهم.

فليس أخطر من أن يصبح الشك هو القاعدة، وما البراءة… إلا استثناء يحتاج إلى إثبات.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

اتساع الخيارات… وضيق القدرة على الاختيار

أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر ليس ضيق الخيارات… بل اتساعها إلى الحدّ الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *