يعيش الشعب السوري في هذه الآونة لحظات فارقة في عهد سوريا ما بعد الأسد، على خلفية نظر القضاء السوري في الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد بحق هذا الشعب المكلوم، فاختلطت مشاعر استدعاء القهر والفقد، بمشاعر بهجة القصاص واسترداد المظالم.
للمرة الأولى تُضمد جراح أطفال 2011 في درعا، أولئك الأطفال الذين أشعلوا الثورة من خلال جدران المدارس، وتم اعتقالهم بوحشية وهمجية بمعرفة جهاز فرع الأمن السياسي، الذي كان يترأسه عاطف نجيب ابن خالة المخلوع بشار الأسد، ذلك العنصر الفاسد الذي يحاكم اليوم على جرائمه في ساحة القضاء السوري بدمشق، والتي تحولت إلى مركز للعدالة بعد أن كانت مركزًا للسلطة المستبدة.
أحد هؤلاء الأطفال من أبناء درعا الذين صاروا اليوم رجالًا ذوي لحى وشوارب قطع المسافات من درعا إلى دمشق حيث المحاكمة، ليطل على عاطف نجيب في قفص الاتهام، ويرمم ذلك الكسر في قلبه الذي دام عقدًا ونصف عقد، قبل أن تحين لحظة القصاص.
يوم التحرير الجديد، هذا ما أطلقه سكان المدن والقرى السورية، على نبأ اعتقال سفاح مجزرة التضامن أمجد يوسف لتقديمه إلى المحاكمة، وهم يعبرون عن بهجتهم بالتكبير وإطلاق الألعاب النارية وتوزيع الحلوى.
13 عامًا ولا تزال الصورة البشعة للمجزرة ماثلة في الوجدان السوري لم يجف الدم ولم تجف الدموع، ففي عام 2013 نفذت عناصر تابعة للنظام مذبحة مروعة في حي التضامن المتاخم لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، وتم توثيق قيام عناصر من النظام بإعدام عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، وظهرت هذه العناصر بالزي العسكري يأمرون المدنيين بالركض وقد كبلت أيديهم خلف ظهورهم وعصبت أعينهم، وما إن يشرعون في الركض حتى يطلقون عليهم الرصاص، ومنهم من تم ذبحه بآلات حادة.
وظهر في المقطع قيام زبانية النظام باقتياد معتقلين إلى حفرة عميقة وتم إعدامهم فيها وتكديس جثامينهم بعضها فوق بعض، ثم القيام بإحراقها، وكان أمجد يوسف أبرز القائمين على هذه المجزرة.
قائمة المتهمين بها عدد من مسؤولي النظام السابق، تشمل المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد (غيابيًا)، وفق محاكمات علنية يتعهد فيها القضاء بإتاحة عرض الأدلة والاستماع إلى الشهود وضمان حق المتهمين في الدفاع، في تحول قضائي جذري بعد غياب استقلالية وشفافية القضاء في العهد البائد. وقد عبر أحد القضاة عن هذا المنحى بقوله إن الهدف من المحاكمات ليس الانتقام، وإنما ترسيخ مبدأ المساءلة القانونية.
هذه المحاكمات ليست مجرد إجراءات قانونية، إنما تمثل إحدى الركائز الأساسية في مشروع إعادة بناء سوريا الجديدة بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ لا يمكن لأي مشروع بناء أن يقوم على أسس غير عادلة أو على تسامح مع الإفلات من العقاب، ولا شك أن ما شهدته سوريا خلال حقبة النظام البائد من ممارسات قتل وتعذيب وملاحقة سياسية قد أثر بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي وخلق فجوات عميقة بين المواطنين والدولة.
إن مساءلة هؤلاء المتورطين بجرائم ضد الشعب السوري لن تعيد الحقوق فقط لأصحابها، بل ستعيد أيضًا الثقة المفقودة بين الشعب ومؤسساته، وهو ما يشكل خطوة أولى باتجاه توحيد الصفوف وتجاوز الانقسامات التي عمقت الجراح الوطنية، والعدالة هنا ليست انتقامًا، بل وسيلة لبناء دولة تستند على القانون والمساواة، دولة تحمي حقوق كل مواطن بدون تمييز.
من أكثر الآثار الإيجابية لمحاكمة رموز النظام هي تعزيز الاستقرار السياسي الداخلي، عندما يشعر المجتمع بأن العدالة تطال الجميع بغض النظر عن موقع الشخص أو سلطته السابقة، ينعكس ذلك على الحالة العامة للوطن، تلك المحاكمات تسهم في قطع الطريق أمام التصرفات العشوائية بمنطق الثأر أو إطلاق شحنة الانتقام في غير موضعها، ما يزيد من الفوضى الأمنية.
إن تجاوز جراح الماضي بدون مساءلة عادلة يعني ترك بذور الحقد والانتقام مزروعة في نفوس الأجيال القادمة، مما يهدد الاستقرار على المدى الطويل. كما تسهم هذه المحاكمات في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة، حيث يصبح القضاء مستقلاً وقادرًا على فرض القانون دون تدخلات سياسية، واستعادة هيبة هذه المؤسسات وتعزيز مصداقيتها يمثلان دعامة أساسية لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي مستقبلًا، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي يحمل مشروع بناء أن ينجح إذا كانت مؤسساته تعاني من فقدان الثقة أو التسييس أو الفساد.
المحاكمات لا تقتصر على الجانب القانوني والسياسي فقط، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي والإنساني، فالعدالة الانتقالية تتيح فرصة حقيقية لمعالجة الأزمة الإنسانية التي خلفها الصراع، عبر الكشف عن الحقائق وتقديم اعتراف رسمي بالأضرار التي لحقت بمختلف فئات المجتمع.
كما تخلق المحاكمات فضاءً للشعور بالطمأنينة لدى الضحايا وأسرهم، مما يساعد على شفاء الجروح النفسية والاجتماعية، والشعور بأن العدالة قد تحققت يكون محفزًا على المشاركة الفاعلة في عملية البناء الوطني، ويمنح المواطنين دافعًا قويًا للتعاون مع الدولة الجديدة.
ولا شك أن طريق العدالة الانتقالية لإجراء تلك المحاكمات يواجه تحديات ليست هينة، منها صعوبة جمع الأدلة في بعض الأحيان، أو استمرار النزاع وانعدام الأمن في بعض المناطق ما يعترض مسيرة العدالة، أضف إلى ذلك التحديات القانونية والسياسية في ظل تعقيدات العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية التي قد تحاول عرقلة محاكمة بعض رموز النظام، إلا أن التعويل على الإرادة الشعبية الراسخة واستشعار القيادة الجديدة لأهمية تحقيق العدالة في مشروع البناء.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة