أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر ليس ضيق الخيارات… بل اتساعها إلى الحدّ الذي يفقده القدرة على الاختيار.
نحن لا نعيش أزمة حرية، بل أزمة فرط حرية.
حرية تتكاثر حتى تتحول إلى عبء، وتتسع حتى تُربك البوصلة، وتفيض حتى تُغرق صاحبها في تردّدٍ صامت.
العقل البشري لم يُصمَّم ليتعامل مع هذا السيل من البدائل.
كل خيار إضافي لا يضيف فرصة فحسب… بل يضيف معه احتمالا جديدا للخطأ، وظلًا جديدا للندم، وصوتا داخليا يسأل:
هل هذا هو الأفضل حقًا؟
وهنا يبدأ الاستنزاف.
ليس قبل القرار فقط… بل بعده أيضا.
لأنك حين تختار في عالم محدود، ترتاح…
أما حين تختار في عالم مفتوح بلا سقف، فإنك تحمل مع اختيارك عبء كل ما لم تختره.
ولهذا، لم يعد الإنسان اليوم عاجزا عن الفعل… بل مُثقلا بالاحتمالات.
ـ يقف أمام خزانة ممتلئة بالملابس … ولا يعرف ماذا يلبس.
ـ يمتلك وسائل لا تُحصى للتعلّم… لكنه لا يُنهي كتابا ولا يُتقن لغة ولو نصف إتقان ..
ـ تُفتح أمامه طرق كثيرة… فيمشي قليلا في كل طريق، دون أن يصل.
لقد تغيّر شكل العجز…
من عجز عن الوصول… إلى عجز عن الحسم.
يقول الفيلسوف سورين كيركغارد:
“القلق هو دوار الحرية”.
وهذا الدوار هو ما نعيشه اليوم… لكن بصورة أوسع وأعمق.
حرية بلا معيار… تُنتج قلقا.
خيارات بلا ترتيب… تُنتج فوضى.
ووفرة بلا وعي… تُنتج إنسانا يتراجع خطوة كلما فُتح له باب.
ولهذا، لم تكن البساطة التي اختارها بعض القادة في تفاصيل حياتهم اليومية نوعا من التقشّف…
بل كانت نوعا من الانضباط العقلي.
حين يُقلّل الإنسان قراراته الصغيرة، فإنه لا يُضيّق على نفسه…
بل يُحرّر طاقته لما يستحق.
العقل ليس مصنعا وآلات لا تنفد منتجاته… بل موردٌ يجب أن يُدار بحكمة.
لكن المسألة لم تعد فردية فقط…
في زمن تتعدد فيه الروايات، وتتزاحم فيه الأصوات، وتتضخم فيه المنصات…
لم يعد التحدي أن تعرف، بل أن تُميّز.
كل شيء متاح… لكن ليس كل ما هو متاح… نافع.
وكل رأي مسموع…
لكن ليس كل ما يُسمع… يستحق أن يُصدّق.
وهنا تتحول “الخيارات الفائضة” من ظاهرة نفسية… إلى معضلة حضارية.
ولعلّ أخطر ما في هذه الظاهرة…أنها لا تُشعرك بأنها مشكلة.
بل تُقنعك أنك أكثر وعيا… لأنك ترى أكثر، وأكثر حرية… لأنك تملك أكثر، بينما الحقيقة أنك أكثر تشتّتًا… لأنك لم تعد تعرف ماذا تترك.
يقول ابن خلدون في معنى قريب:
“كثرة الترف تفسد العمران”.
ولعلّنا اليوم نرى كيف أن كثرة الخيارات… تُفسد القرار.
ليست الحكمة أن تُجرّب كل شيء، بل أن تعرف ما الذي لا يستحق أن يُجرّب أصلًا.
وليست القوة في أن تبقي كل الأبواب مفتوحة، بل في أن تُغلق ما لا يخصك دون تردّد.
في عالمٍ يُغريك بكل شيء… تصبح أعظم مهارة:
أن تُحدّد.
أن تختار…
أن تحسم ..
ثم تمضي… دون أن تلتفت…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة