أخطر ما في الخداع أنه لا يأتيك في صورة كذبةٍ صريحة

أخطر ما في الخداع أنه لا يأتيك في صورة كذبةٍ صريحة،

بل في هيئة حقيقةٍ ناقصة…

نصفُ مشهدٍ… نصفُ صوتٍ… نصفُ رواية…

ثم يُترك لعقلك أن يُكمل الباقي، فيقع في الفخّ وهو يظنّ أنه يفكّر.

حواسّك – التي تظنّها بوابتك إلى اليقين – هي في كثير من الأحيان بوابتك إلى الوهم.

تنظر… فتُصدّق.

تسمع… فتُسلّم.

تشعر… فتجزم.

وكأنك – دون أن تدري – قد سلّمت مفاتيح وعيك لمن يُحسن ترتيب الصورة، لا لمن يُحسن قول الحقيقة.

يقول ابن خلدون:

“النفس إذا اعتقدت الشيء، صارت الأدلة تُساق إليها من كل جانب.”

أي أنك لا ترى ما هو موجود… بل ترى ما تهيأتَ أنت لتراه.

خذ أبسط مثال:

طبقٌ جميل المظهر…

ألوانه متناسقة، وزينته فاتنة…

قبل أن تتذوقه، يكون عقلك قد حكم عليه: “لذيذ”.

لكن… من الذي حكم؟

الذوق؟

أم العين التي خُدعت بتجميل متقن؟

وهنا تبدأ المأساة:

حين تتحوّل الصورة إلى بديل عن الحقيقة،

والانطباع إلى بديل عن المعرفة.

وهذا ليس بعيدا عن واقعنا…

كم من قضية كبرى تُدار اليوم بالصورة لا بالحقيقة؟

كم من حربٍ تبدأ بعنوان جذاب، وتنتهي بدمارٍ لا يظهر في النشرة؟

كم من خطابٍ يُشعل الجماهير، لأنه خاطب “سمعهم”، لا عقولهم؟

إن العالم اليوم لا يطلب منك أن تفهم…

بل أن تتفاعل بسرعة.

أن تُبدي رأيًا قبل أن تكتمل لديك المعطيات.

أن تحكم قبل أن تتحقق.

وهنا تكمن اللعبة.

يقول فرنسيس بيكون:

“العقل البشري ليس مرآةً صافية، بل مرآةٌ مشوّهة تعكس الأشياء وفق طبيعته هو.”

أي أن المشكلة ليست فقط فيما يُعرض عليك…

بل في الطريقة التي تستقبل بها ما يُعرض.

الحقيقة لا تُعطى جاهزة…

بل تُنتزع انتزاعًا من بين طبقاتٍ من التزييف، والاختزال، والتأطير.

ولهذا…

فإن الاعتماد على حاسةٍ واحدة، أو مصدرٍ واحد، أو شعورٍ واحد…

ليس مجرد سذاجة… بل مخاطرة معرفية.

الحل ليس أن تشكّ في كل شيء…

بل أن تُحسن ترتيب أدواتك:

ـ لا تكتفِ بما ترى… اسأل: من اختار هذه الزاوية؟

ـ لا تكتفِ بما تسمع… اسأل: من صاغ هذه الرواية؟

ـ لا تثق بإحساسك وحده… فالإحساس قد يُستثار كما تُستثار الموسيقى في مشهدٍ سينمائي.

اجمع… قارن… اربط… ثم احكم.

ـ إدراكك ليس مرآة للحقيقة… بل نتيجة تفاعل معقّد بين ما عُرض عليك، وما في داخلك.

ـ ليس كل ما يبدو واضحًا… صحيحًا.

ـ السطحية ليست نقصًا في الذكاء… بل استعجال في الحكم.

وأخطر من ذلك كله…

أن قراراتك – في السياسة، والحياة، والعلاقات –

ليست مبنية على الحقيقة كما هي…

بل على الصورة التي سمحتَ لها أن تستقر في وعيك.

لذلك…

لا تسأل: “هل هذا صحيح؟” فقط…

بل اسأل السؤال الأهم:

كيف عرفتُ أنه صحيح ؟!

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

محاكمة النظام البائد … ركيزة أساسية في بناء سوريا الجديدة

يعيش الشعب السوري في هذه الآونة لحظات فارقة في عهد سوريا ما بعد الأسد، على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *