ليست المشكلة أن تُخطئ، بل أن تظن أنك لم تخطئ !

في الشرق الأوسط… ليست المشكلة أن تُخطئ، بل أن تظن أنك لم تخطئ !
تظنّ القوى العظمى أنها تدير اللعبة فتكتشف أنها داخلها …
لم تُهزم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط… لكنها أيضا لم تنتصر.
وهذه – في منطق السياسة – ليست منطقة رمادية، بل أخطر نقطة يمكن أن تصل إليها قوة عظمى:

أن تملك كل أدوات القوة… دون أن تملك طريق أو طريقة الحسم.

ما يحدث اليوم في الصراع مع إيران ليس حادثة معزولة، بل خلاصة مسار طويل من سوء تقديرٍ استراتيجي، حيث لم تُخطئ واشنطن في الوسائل بقدر ما أخطأت في فهم “المكان” نفسه.
فالشرق الأوسط – بعكس ما ظنّته مراكز القرار – ليس ملفًا يمكن خفض أولوّيته،
ولا مساحة يمكن مغادرتها دون أن تعود إليك.

==
حين تتحول الأولويات إلى أوهام :
في وثائق الأمن القومي الأمريكية، تراجع الشرق الأوسط تدريجيا:
من ثالث الأولويات… إلى رابعها… ثم قيل في صُحفهم وفي أروقة دوائر صناعة القرار: إن المنطقة لم تعد “مصدر الكارثة الوشيكة” !
لكن المشكلة ليست في ترتيب الأولويات، بل في الافتراض الذي بُني عليه هذا الترتيب: أن الخطر يمكن تأجيله… أو تجاوزه ..

وهذا ما لم يحدث.
لأن الشرق الأوسط لا يختفي حين تُشيح عنه النظر، بل يتحوّل – في غيابك – إلى ما هو أكثر تعقيدا.
يقول ابن خلدون:
“الخلاء في السياسة مفسدة… لأنه يدعو إلى التغلّب” …
وهذا بالضبط ما وقع:
– انسحابٌ جزئي… ففراغ ..
– ثم فراغ… وتمدّد ..
– ثم تمدّد… فتحوّل إلى صراع لا يمكن ضبطه.

افترضت واشنطن أن الضربات “القصيرة والحاسمة” قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوة…. لكنها واجهت خصما لا يُقاتل وفق قواعدها، ولا يسعى إلى نصر تقليدي أصلا….
نعم… إيران لم تنتصر… لكنها نجحت في إفشال فكرة الحسم.
وهنا يكمن التحول:
لم تعد المسألة من يربح المعركة، بل من يستطيع إطالة أمدها دون أن ينهار.
يقول كلاوزفيتز:
“أخطر الأخطاء أن تفترض أن العدو سيقاتل بالطريقة التي تناسبك.”

وهذا ما حدث.

بعد أسابيع من القتال، لم تُحسم المعركة، ولم تُغلق الجبهة، بل دخلت المنطقة في حالة أخطر: جمود استراتيجي مُكلف….
لا انتصار يُعلن، ولا انسحاب ممكن، ولا تصعيد مضمون النتائج.
وهنا تتحول القوة من ميّزة… إلى عبءٍ سياسي.
وفي قلب هذا المشهد، برز اختزال خطير:
أن “فعل المزيد في الدفاع” … يعني شراء المزيد من السلاح.
لكن الأمن لا يُقاس بما يُشترى، بل بما يُفهم.
فقد أثبتت الحرب أن الأنظمة الدفاعية – مهما بلغت – لا تمنع اختراقا
إذا كان التهديد غير متماثل بطبيعته.
وهذا ليس فشل أدوات… بل فشل تصور.

من البغدادي… إلى سليماني… إلى السابع من أكتوبر… إلى غزة…
في كل مرة، لم تكن واشنطن تصنع الحدث، بل تستجيب له.
وهذا هو التحول الأخطر في سلوك القوى الكبرى:
أن تنتقل من موقع الفعل… إلى موقع ردّة الفعل.
الرهان القديم – أن الانسحاب يُصلح الأخطاء – أو فيه الخلاص .. لم يعد قائمًا.
لأن الفراغ لا يبقى فارغا، بل يُملأ، وكل انسحاب غير محسوب هو دعوة مفتوحة لإعادة تشكيل المنطقة من دونك….

المشكلة لم تكن يومًا في نقص القوة، بل في سوء فهم طبيعة الصراع.
فالشرق الأوسط ليس ساحة تُعاد هندستها، ولا أزمة تُغلق بصفقة، ولا حربًا تُحسم بضربة.
إنه توازنٌ هشّ، تراكمت فيه التوترات حتى أصبحت أكبر من أن تُدار من الخارج… وأخطر من أن تُترك دون إدارة….
ولهذا…
لن ينجح من يحاول تشكيله كما يريد .. بل سينتهي به الأمر إلى أن
يتشكّل داخله كما لا يريد..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الأمن في دُول الخليج ليست ورقةً يُساوَم عليها

الأمن في دُول الخليج ليس هبةً تُمنح .. ولا ورقةً يُساوَم عليها يا معشر المفتونيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *