كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة”

إيّاك أن تفقد كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة”

طاعة الله ليست حركات أو أفعال تُؤدّى، بل حالةٌ تُعاش ..

سِرٌّ إذا استقرّ في القلب، نقل الإنسان من ضيق الأرض إلى سَعة السماء…

إنّها ذلك الشعور الخفيّ الذي لا يُترجم بعبارة، ولا يُختزل في وصف، ولكنك تعرفه حين يزورك…

كأنّ بينك وبين الله وصلا لا يراه أحد….

حين يبدأ الإنسان طريق الالتزام، يهبه الله هذا المعنى كهدية البداية؛ ليُعرّفه الطريق قبل أن يطالبه بثبات السير….

فيجد في الذكر حياة، وفي الصلاة أُنسَا، وفي الطاعة طمأنينة لم يعهدها من قبل.

وهذه اللذّة ليست عاطفة عادية تأتي وتذهب ويختفي أثرها، بل ثمرة معانٍ عميقة:

– شعورٌ بالغاية بعد التيه

– وإحساسٌ بالإنجاز بعد التخبّط

– وانتماءٌ خفيّ إلى سلك الأنبياء والصالحين… كأنك لم تعد وحدك في هذا الطريق….

لكن الإنسان لا يولد كاملا، ولا يدخل الطاعة وقد انخلع من بقايا نفسه؛ فالشرّ لا يزول دفعة واحدة، بل يذبل بالمجاهدة….

ولذلك يبقى في القلب شيء من الضعف، وفي السلوك شيء من التردّد…

وهذه ليست عيوب الطريق، بل طبيعتُه….

غير أنّ الخطر لا يأتي دائما من الداخل… بل كثيرا ما يأتي من الناس….

حين يُخطئ حديثُ العهد بالطاعة، لا يُنصح برفق، بل يُحاكم بقسوة:

فيُقال له: “أنت الذي تصلي! أنت المُلتزم ! أنت ابن فلان العابد… كيف يقع منك هذا؟ “

فيُحمَّل ما لا يُحمَّل غيره، ويُطالَب بالكمال قبل الثبات… ويُضيَّق عليه الطريق باسم النُصح….. وهنا تبدأ الكارثة الصامتة:

– تُربط الطاعة في ذهنه بثوبٍ أثقل منه

– ويُصوَّر له أنّه إمّا كاملٌ أو متناقض…

= فلا يرى لنفسه موضعا بينهما. ..

= فتتسرّب لذّة الطاعة من قلبه شيئا فشيئا، ويبدأ الصراع:

إمّا أن يترك الطريق، أو يسير فيه بقلب عليل، تُفسد علّته حتى علمه وفهمه…

وأصل هذا الخلل وهمٌ خطير: وهم الكمال…

ذلك الوهم الذي يُصوّر الدين على أنّه حالة مثالية لا يدخلها نقص، فإذا رأى الناس نقصا في ملتزم، جعلوه دليلا على بطلان الطريق لا على ضعف السائر…

والحقّ أن الإسلام لم يُبنَ على ملائكية البشر، بل على إنسانيتهم:

الذنب واقع، والتوبة مشروعة، والاستغفار بابٌ لا يُغلق…

ولو كان الكمال شرطا في الطريق، ما سلكه أحد….

بل إنّ أخطر ما يقع فيه بعض الناس، أنّهم يُنكرون مذهب الخوارج بألسنتهم، ويعيشونه في قلوبهم ..

= فيُسقِطون الإنسان بالذنب، ويُفرغون الطاعة من قيمتها لأجل تقصيرٍ عارض…

وما علموا أنّ هذا من أعظم أبواب القنوط، وسوء الظن بالله…

وأنت – أيها السائر إلى الله – لم تبدأ هذا الطريق لتُرضي الناس ..

ولا لتنال منهم شهادة صلاح، بل لتنجو بقلبك….

فإن ضاق صدرك بكلامهم، فلا تترك الطاعة… بل الزمها أكثر:

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ .. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾

واعلم أنّ علامة الحياة في قلبك، أن تفرح بحسنتك دون اغترار، وأن تحزن على سيئتك دون يأس…. فذلك ميزان الإيمان:

“إذا سرّتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن”.

فلا تُطفئ نور الطاعة لأنك لم تبلغ كمالها،

ولا تترك الخير لأنك ما زلت تقصّر…

فإنّ أخطر ما يريده منك الشيطان .. أن يُقنعك أنّك لا تستحق هذا الطريق ..

حتى يُخرجك منه كلّه….

لذّة الطاعة ليست رفاهية ولا مُجرّد كلام عذب جميل… بل حياة.

فإن فقدتها، بحثت عن بدائلها في كل شيء… ولن تجد.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ميزان أم مزاج؟ حين يُعاد تعريف الحق حسب الهوى

في الأيام الأخيرة، لم يكن الجدل حول أنشودة هنا وأنشودة مُضادّة هناك.. ولا حول موقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *