حين يتحوّل الألم إلى خطاب عاطفي، يصبح أخطر ما فيه أنّه يبدو صادقا مؤثّرا بينما يُفرِّغ الحقيقة من عُمقها بمُنتهى الخُبث والدناءة.
فليس كل ما يشتعل في الصدور يصلح أن يُبنى عليه مصير، ولا كل ما يُقال باسم اليقين يكون يقينا.
هناك فرقٌ دقيق بين من يقرأ التاريخ ليهتدي به، ومن يعيد صياغته ليتوافق مع ما يريد أن يصدّقه….
وفي لحظات الاحتقان، يميل الخطاب إلى اختزال العالم في معادلاتٍ حادّة:
“قدرٌ لا يُدفع، مواجهةٌ لا تُراجع، نهاياتٌ معلومة سلفا…”
لكن هذه اللغة – على شدّة حضورها – كثيرا ما تكون راحة نفسية لا رؤية واعية، وهروبا من تعقيد الواقع إلى بساطة الشعارات المُكررة الجاهزة ..
فيا بعضَ القوم…
اخرجوا من تلك الأُطُر التي ضيّقتم بها على عقولكم قبل غيركم ..
ومن تلك القوالب التي لم تعودوا ترون العالم إلا من خلالها ..
تخفّفوا من هذا الأسلوب الذي لا يصنع وعيا، بل يكتفي بتحشيد القطيع خلف العاطفة…
فالأمم لا تُقاد بالصوت الأعلى، ولا تُبنى بمن يصفّق أكثر ..
بل بمن يرى أبعد… ويفهم أعمق… ويملك شجاعة أن يُراجع نفسه قبل أن يُحرّك غيره….
إن اختزال الصراع في حتميات مُطلقة، وتقسيم العالم إلى معسكرات أخلاقية جاهزة .. لا يفسّر الواقع… بل يُعفي من فهمه…
فالتاريخ لم يكن يوما ساحة لمن يصرخ أكثر، بل لمن يُحسن قراءة اللحظة، ويُدرك أن سنن الله لا تتبدّل بالعاطفة، ولا تُغني الشعارات عن أُسس البناء القويم.
والأمم لا تُهزم لأنها تفتقر إلى الحماسة .. بل لأنها تستبدل الفهم بالاندفاع،
وتُحوّل القضايا الكبرى إلى مساحات تعبئة ..
يُستبدل فيها التفكير بالاصطفاف… والوعي بالانقياد…
والحقيقة بما يُراد لها أن تكون….
فليس كل من التفّ حول خطاب مؤثّر ما .. اقتنع به،
بل قد يكون كثيرٌ منهم قد أُحسن توجيه عاطفته… لا عقله.
وهنا مكمن الخطر:
– أن يتحوّل الخطأ إلى حالة جماعية
– وأن يُحسن بعضهم جمع الأتباع على وهم يظنونه يقينا ونورا ونصرا مربوطا بأستار العرش…
وحينها…
لا تكون المشكلة في الخصوم ..
بل في العجز عن رؤية الذات خارج صدى الجماعة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة