ميزان أم مزاج؟ حين يُعاد تعريف الحق حسب الهوى

في الأيام الأخيرة، لم يكن الجدل حول أنشودة هنا وأنشودة مُضادّة هناك..

ولا حول موقف طرف هادئ مُهذّب يخالف بتوجهاته مواقف أطراف أخرى أكثر صخبا وأشدّ حِدّة في التناوُل مع كثير من السخافة والابتذال..

بل كان الجدل حول شيءٍ أعمق بكثير:

ما الذي يستحق أن نرفع له الصوت… ومتى علينا واجب أن نصمت؟

رأيتُ مشهدين لا يجتمعان إلا في زمن الاضطراب:

صوتٌ ارتفع حين أُصيب وطنه، فدافع عنه، ورفض أن يُترك بلا كلمة.

فقال تبّت يد القتلة والمجرمين والمُعتدين …

وصوتٌ آخر، اشتعل غضبا – لا لأن دمًا سُفِكَ، بل لأن عبارةً قيلت…

وهنا تبدأ الحكاية….

ليس من الغريب أن يدافع الإنسان عن بلده وبيته وأهله وقومه؛ هذه فطرة لا تحتاج تنظيرا ولا استعراضا..

لكن الغريب أن يُصبح هذا الدفاع تُهمة، وأن يُحاكم صاحبه لأنه لم يُرتّب أولوياته وفق هوى الآخرين…. !!

الغريب أن يتحول الصمت عند القصف إلى “حكمة”، والكلمة عند الألم إلى “جريمة”….

أن تُصبح دماء قومٍ مسألة قابلة للتأجيل، بينما عبارة عابرة تُستدعى لها كل مفردات الغضب والتخوين ….

الانتقائية الغاضبة… ترتدي ثوب المبدأ المُمزّق…

فحين يُقصف بلدٌ عربي، تُفتح دفاتر التبرير:

“ليست القضية كما تبدو”…

“هذه مصالح”… “هناك فقه توازنات” هناك شيء اسمه فقه واقع ” “هذه معادلات أكبر”… “بغض النظر” “مش وقته” و “المهم كذا وكذا الآن وما علينا بأنهار الدم التي تقطر من سكاكين أبطال الوهم والدجل رافعي الشعارات الاستعراضية…. “

لكن حين تُمسّ جهة أخرى… يختفي التعقيد فجأة، ويصبح كل شيءٍ واضحًا،

ويتحول الصمت إلى خيانة، والاختلاف إلى نفاق !

هذه ليست قراءة للواقع… هذه هندسة للموقف….

هناك خلط مُتعمّد وخبيث بين المقدس والسياسي

حيث تُستدعى المفردات الكبرى – المقدسات، العقيدة، الأمة –

لكن لا لتُحفظ… بل لتُستخدم….

فإذا كان القصف يُبرَّر لأنه “ليس موجّهًا للمُقدّس مباشرة”،

فما قيمة استدعاء المقدس أصلًا؟!

وإذا كان الألم يُقاس بزاوية النظر، فهل بقي للألم معنى… أم أصبح أداة؟

هناك فئة لا تقبل التوازن، تريدكَ كاملًا معها، فإن أنصفتَ هنا… اتهمتكَ هناك.

وإن قلت كلمة حق في غير الاتجاه المتوقع، سُحِبَ منك كل رصيدك،

وأُعيد تعريفك من جديد تمهيدا لتصنيفك ومن ثمّ الحُكم عليك….

لكن الحقيقة أبسط من ذلك:

ليس كل من دافع عن بلده متناقضا، ولا كل من انتقد طرفا منحازا لآخر.

الإنصاف ليس أن تُوزّع غضبك بالتساوي، بل أن تُثبّت معيارك:

الدم دم… لا يتغير بهوية الضحية …

والاعتداء اعتداء… لا يُبرَّر بهوية الفاعل …

والحق حق… لا يُعاد تعريفه حسب المزاج …

من هنا يبدأ الفرق بين موقفٍ نابع من مبدأ … وموقفٍ يُدار بردّة فعل.

القضية لم تكن يومًا أنشودة … ولا كلمة ولا مقالة، ولا حتى شخصًا بعينه.

القضية هي: هل نملك ميزانا… أم نملك مزاجا؟

فمن جعل مواقفه تُبنى على الغضب، سيتنقل بين التناقضات دون أن يشعر.

ومن جعلها تُبنى على مبدأ، سيبقى ثابتًا…

حتى لو تغيّرت كل الأصوات من حوله.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة”

إيّاك أن تفقد كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة” طاعة الله ليست حركات أو أفعال تُؤدّى، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *