من الخطأ البيّن اختزال فائدة التشجير والتخضير في الشكل الجمالي والتعبير عن التحضر والتمدّن، فوجود الأشجار والنباتات ضمن ما يعرف بالبيئة الحيوية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجوانب الحياتية المباشرة للناس، والحفاظ على التوازن البيئي.
“شينرين- يوكا” هو عنوان أحد التوجهات الصحية الشائعة في دولتي اليابان وكوريا الجنوبية، وهو يعني: السباحة في الغابة، دلالة على أهمية ودور القرب من الأشجار في تعزيز الصحة النفسية للإنسان.
وفي إحدى الدراسات المنشورة في دورية “جاما نتوورك أوبن” أجراها باحثون في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، ظهر أن تحسين شكل المناطق المقفرة بزراعة الأشجار والحشائش يمكن أن يحد من الشعور العام بالاكتئاب، وتحسين الصحة النفسية للمجتمعات.
ولا يمكن حصر الدراسات العلمية والبيئية التي تؤكد على أن التشجير والتخضير يحافظ على التوازن المناخي بمواجهة أخطار التصحر والاحتباس الحراري أو الاحترار العالمي، وهو الارتفاع التدريجي والمستمر في درجة الحرارة نتيجة زيادة ثاني أكسيد الكربون بسبب الأنشطة البشرية، فتأتي فائدة التشجير والتخضير لتلطيف الأجواء وتقليل غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة نسبة الأوكسجين.
أضف إلى ذلك الثمرات الاقتصادية للتشجير والتخضير، من خلق فرص عمل في المشاريع المتعلقة بالتشجير، وتعزيز السياحة البيئية، وتعزيز الاقتصاد العقاري، وغيره.
وبينما تتلاحق المؤتمرات البيئية والمناخية للتأكيد على أهمية التشجير والتخضير، ومناقشة أدوات ووسائل تنمية الوعي الحضاري للشعوب بأهميته، نجد ذلك المنهج الإسلامي يطل علينا منذ ما يقارب قرنًا ونصف قرن من الزمان، بتناول فريد لأهمية التشجير والتخضير، ليغدو الحفاظ عليه سلوكًا دائمًا منهجيًا في حياة الناس.
لقد ربط التشريع بين هذه الضرورة البيئية ومهمة الاستخلاف في الأرض، والتي تقتضي الإعمار وإصلاح الأرض بمن عليها وإحكام مصالح الدنيا والدين معًا، وجعل التشجير والتخضير أمرًا تعبديًا مرتبطًا بالثواب والعقاب في الآخرة، ومن ثم أصبح الاهتمام به عبادة لله تتعلق بأوامر ونواهٍ.
ومن يتأمل حديث (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها)، سيجد نفسه واقفًا لا محالة على العلة التعبدية لهذا الغرس، إذ أن غرس فسيلة النخل الذي ستقوم على إثره الساعة لن ينتفع به كائن حي، ولكن لأنه أمر تعبدي يتعلق بالأجر والمثوبة كان الأمر به، ولأنه من مهام الاستخلاف في الأرض كان الالتزام بهذه المهمة حتى آخر لحظات الحياة.
ففي جانب الترغيب والحث على التشجير والتخضير يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته) فذكر ها هنا: غرس نخلًا، فجعله مما يدر على صاحبه الأجر حتى بعد انقضاء أجله.
وفي باب الترهيب، جعل رب العالمين قطع الأشجار والنباتات لغير مصلحة للعباد من قبيل الإفساد في الأرض {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205].
فلذا كان المستقر لدى القرون المفضلة الحفاظ على الأشجار والنخيل والزروع والثمار، وعدم التعرض لها إلا لما فيه مصالح العباد، ونجد في وصايا الغزو أمرًا مباشرًا من خليفة المسلمين أبي بكر الصديق لقائد جيشه: “ولا تخربوا عمرانا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه”.
قطعًا الإسلام ليس بحاجة إلى إبراز عظمة تشريعاته حتى أبين طرفًا منها في هذه السطور، لكن الغرض من هذه الكلمات، هو تعزيز أهمية التشجير والتخضير لدى الجماهير، فعندما يتخطى في حسّهم كونه شكلًا جماليًا حضاريًا إلى كونه أمرًا تعبديًا يقربهم من الله، فهو أدعى إلى أن يحتل مساحة واسعة من اهتماماتهم، ويغدو الاهتمام به من الجميع سواء من المسؤولين أو من العامة، أمرًا يجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة