هل يُقاس العداء بالخطاب… أم بالفعل؟

– لدينا فائض من الشعارات تبارك الله .. كل طرفٍ يرفع راية “العداء” لعدوّ ما، وكل جمهور يبحث عمّن يُشبه صوته لا عمّن يُشبه مصلحته…
لكن حين ننزع طبقة الخطاب السميكة، ونضع الأفعال على طاولة الأرقام والوقائع، تتكشف صورة مختلفة تماما:
صورة تقول إن الصراع الحقيقي لا يُقاس بمن يصرخ أكثر… بل بمن يضرّ أكثر.

أولا:
إيران بين خطاب “المواجهة” وواقع الاستنزاف العربي ….
منذ عام 1979، تبنّت إيران خطابا معلنا قائما على “مقاومة أمريكا وإسرائيل”.
لكن عند قراءة الأثر الفعلي لهذا المشروع في المنطقة، تظهر معادلة مقلقة:

– في العراق:
بعد 2003، قُتل أكثر من 200 ألف عراقي في موجات العنف الطائفي، كثير منها ارتبط بميليشيات مدعومة ومُموّلة من إيران ويرفع أغلبها شعارات طائفية… وتُشير بعض التقديرات إلى أن عدد المدنيين تجاوز الـ 600 ألف مدني .. وكان عام 2006 هو العام الأكثر دموية..
وتحوّل البلد من دولة مركزية إلى ساحة نفوذ مفتوحة، تُدار فيها السياسة بالسلاح.

– في سوريا:
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى سقوط أكثر من 800 ألف قتيل مدني سوري منذ 2011، مع دور مباشر للميليشيات المدعومة من إيران في تثبيت النظام، لا في تحرير الأرض من عدو خارجي.

– في اليمن:
أدت الحرب التي تشارك فيها جماعة الحوثي المدعومة إيرانيا إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميا، مع أكثر من 580 ألف حالة وفاة (مباشرة وغير مباشرة بحسب تقارير الأمم المتحدة).

– في لبنان:
حزب الله، الذراع الأبرز لإيران، أصبح قوة مهيمنة داخليا، بينما يعيش البلد انهيارا اقتصاديا هو الأسوأ في تاريخه …
– خسر الاقتصاد اللبناني أكثر من 40% من ناتجه المحلي، في واحدة من أسوأ ثلاث أزمات مالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر بحسب تقارير البنك الدولي.
ـ الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 90% من قيمتها، فتحوّلت رواتب الناس إلى فتات، ومدّخراتهم إلى وهم…
ـ أكثر من 80% من السكان باتوا تحت خط الفقر، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
ـ النظام المصرفي، الذي كان يوما مفخرة لبنان، انهار عمليا، مع تجميد ودائع تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
ـ الكهرباء، أبسط مقومات الدولة، أصبحت ترفا، حيث لا تتجاوز ساعات التغذية في كثير من المناطق ساعتين إلى أربع يوميا.
كل هذا يحدث في بلد لم يخض حربا تقليدية مع إسرائيل منذ سنوات…
لكنه خاض، ولا يزال، حربا داخلية غير معلنة:
حرب السيطرة على القرار، وتغليب السلاح على الدولة، وربط المصير الوطني بمحاور خارجية.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية:
بلدٌ يُرفع فيه شعار “المقاومة” عاليا… بينما ينهار في الداخل بصمت ثقيل.
فهل يُقاس نجاح المشاريع بما ترفعه من شعارات…
أم بما تتركه من أوطان؟

تلك ليست سوى طبقة سطحية… فمنذ اندلاع التصعيد في 2026:
ـ تم إطلاق ما يصل إلى 2000 صاروخ وطائرة مسيّرة من لبنان باتجاه إسرائيل
ـ وردّت إسرائيل بمئات الغارات، شملت الجنوب والبقاع وحتى بيروت
ـ وبدأت عمليات برية فعلية داخل الجنوب، مع نية معلنة لفرض منطقة عازلة حتى نهر الليطاني
وفي واحدة من أعنف اللحظات:

ـ قُتل أكثر من 350 شخصا في يوم واحد خلال ما سُمّي “الأربعاء الأسود”
ـ وأصيب أكثر من 1200 جريح، في قصف وُصف بأنه من الأشد منذ سنوات
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها:
لبنان اليوم ليس فقط تحت القصف… بل تحت سؤال أكبر من القصف:
من يقرر الحرب؟
ـ الحكومة اللبنانية نفسها أعلنت أن العمليات العسكرية لحزب الله “خارج إطار الدولة”
ـ وبدأت لأول مرة خطوات رسمية لوضع سلاحه تحت سلطة الدولة
أي أن البلد يقاتل… بينما الدولة تقول: هذا القتال ليس قراري. …
لم يعد لبنان مجرد ساحة مواجهة…
بل أصبح مثالا حيا على أخطر معادلة في المنطقة: حين يُختطف قرار الحرب من الدولة… تُدفع فاتورة الحرب من الشعب.
فلا الصواريخ أعادت السيادة، ولا الشعارات منعت الدمار ولا حررت المُقدسات،
ولا “المعركة الكبرى” حمت بيتا صغيرا في الجنوب.
وفي النهاية…
يبقى السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه:
من انتصر… إذا كان الوطن نفسه هو الخاسر الأكبر؟

السؤال الآن ليس عقائديا… بل سؤال واقعي:
كم دولة عربية استقرت نتيجة هذا المشروع الطائفي التوسُّعي؟
وكم دولة تفككت أو ضعفت؟
===

ثانيا: هل “العداء لأمريكا” معيار صدق؟
وهنا أخاطب الطرح الذي يفترض أن الكتابة ضد أمريكا أو إسرائيل هي معيار “الصدق السياسي”.
أقول لحاملي هذا الطرح: هذا معيار عاطفي، لا تحليلي….
لأن الحقائق تقول:
– إيران، رغم خطابها، لم تدخل حربا مباشرة مع إسرائيل منذ 1979….
بينما خاضت صراعات واسعة داخل دول عربية، وليس على حدود فلسطين.

ـ حجم التبادل غير المباشر (عبر أطراف ثالثة) بين إيران والغرب لم ينقطع، حتى في أشد مراحل التصعيد.
1- شركات واجهة وشبكات مالية للالتفاف على العقوبات …
وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت (2026) أن إيران تستخدم شركات وهمية وشبكات مالية دولية لتحويل عائدات النفط عبر أطراف ثالثة وإخفاء مصدرها.
يتم تحويل الأموال بعملات مثل “اليوان” ثم إعادة تدويرها إلى الدولار أو اليورو عبر هذه الشبكات.
= هذا دليل صريح أن التبادل لم يتوقف، بل تغيّر شكله فقط.

2- شراء النفط الإيراني عبر دول وسيطة (خصوصا الصين)
تقارير دولية (رويترز 2026) تؤكد أن:الصين ما تزال أكبر مستورد للنفط الإيراني ويتم “إخفاء” مصدر النفط عبر تسميات مثل ماليزيا أو إندونيسيا لتجاوز العقوبات
= هذا نموذج واضح للتبادل غير المباشر: النفط إيراني… لكن الورق يقول غير ذلك.
3- شركات واجهة لتهريب النفط:
تحقيقات دولية تشير إلى وجود شركات مسجلة خارج إيران تعمل كغطاء لبيع النفط، مثل شركة Xin Rui Ji في هونغ كونغ، المرتبطة بشبكات الحرس الثوري.
= هذه الشركات ليست تجارة طبيعية… بل أدوات للالتفاف على العقوبات.

حتى أوروبا حاولت رسميا الالتفاف على العقوبات

4- إنشاء نظام مالي خاص لتجاوز العقوبات
دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) أنشأت آلية اسمها INSTEX
هدفها: إجراء تجارة مع إيران خارج النظام المالي الأمريكي (SWIFT)
= هذا اعتراف رسمي بأن: العقوبات لم توقف التبادل… بل دفعت لإنشاء طرق بديلة.
5 – “القانون الأوروبي الحاجز” (Blocking Statute)
الاتحاد الأوروبي فعّل قوانين تمنع شركاته من الالتزام بالعقوبات الأمريكية…
وسمح بإنشاء قنوات تجارة عبر وسطاء أو آليات بديلة … أي أن الغرب نفسه لم يكن كتلة واحدة في الحصار.

دراسات أكاديمية وأبحاث اقتصادية حول إيران تؤكد أنها:
طوّرت شبكات مالية غير رسمية
واعتمدت على شركاء بديلين
مما جعل اقتصادها “يتكيّف مع العقوبات بدل أن يتوقف” …
فالحقيقة تقول:
لم ينقطع التبادل بين إيران والغرب كما يُتصوَّر، بل تغيّر شكله.
فمن تجارة مباشرة إلى شبكات ملتوية، ومن تعامل رسمي إلى وسطاء وشركات واجهة، ومن تحويلات مصرفية معلنة إلى قنوات مالية موازية.
العقوبات لم تُغلق الباب… بل دفعت التجارة إلى الأبواب الخلفية.

* ليست المشكلة أن التبادل توقف… بل أنه أصبح أقل شفافية، وأكثر تعقيدا، وأشد ارتباطا بالسياسة من الاقتصاد. وفي المقابل:
– دول الخليج، التي تُتّهم “بالتبعية”، هي من بنت خلال عقود:
ـ اقتصادا يتجاوز 2 تريليون دولار مجتمعة…
ـ بنية تحتية تُعد من الأفضل عالميا
ـ استقرارا داخليا نادرا في منطقة مضطربة….
فهل معيار الحكم هو “من يصرخ ضد أمريكا”… أم “من يحمي أرضه وشعبه”؟
====
ثالثا: الكلفة الحقيقية للصراعات… من يدفعها؟
حين تُقصف منشآت، أو تُستهدف بنية تحتية، أو تُجرّ دولة إلى حرب بالوكالة، فإن الثمن لا يُدفع بالشعارات.
– استهداف منشآت نفطية في الخليج (مثل هجمات 2019) أدى إلى تعطيل نحو 5% من الإمدادات العالمية مؤقتا.
ـ أي ضربة كبيرة للبنية التحتية للطاقة في المنطقة قد تكلف عشرات المليارات من الدولارات خلال أيام.
ـ هذه الخسائر لا تصيب “أنظمة” فقط، بل تصيب شعوبا تعتمد على هذه الموارد في التعليم والصحة والحياة اليومية.
بمعنى أوضح:
الصواريخ لا تفرّق بين “مشروع مقاومة” و”اقتصاد شعب”.

رابعا: المفارقة الكبرى… حين يتحول “العدو البعيد” إلى غطاء للعدو القريب
أخطر ما في بعض الخطابات ليس ما تقوله… بل ما تُخفيه.
حين يتم تضخيم العداء لأمريكا أو إسرائيل، مع تجاهل ما يحدث داخل المنطقة، تنشأ مفارقة:
ـ يتم تبرير تدمير دول عربية بحجة “المعركة الكبرى”
ـ ويتم تأجيل أي مساءلة داخلية تحت شعار “الظرف الاستثنائي”
ـ ويُعاد تعريف العدو… بحيث يصبح القريب أقل خطورة من البعيد
وهنا تتشكل فجوة خطيرة بين الشعور والواقع.

خامسا: الدول لا تُدار بالعاطفة، بل بالمصالح المركبة.
ـ الدولة تحسب: الأمن، الاقتصاد، الاستقرار
ـ لا تختار أعداءها بناء على الخطاب، بل على التهديد الفعلي…
ـ لا تدخل حربا إلا حين تعرف كلفتها ومردودها وهذا ما يفسر لماذا تتجنب دول كثيرة “الشعارات العالية” وتختار “السياسات الهادئة”.

ليست القضية:
من يكره أمريكا أكثر… أو من يلعن إسرائيل بصوت أعلى.
القضية الحقيقية:
من الذي لم يدمّر أرضه…
من الذي لم يزرع الفوضى في جيرانه…
ومن الذي لم يجعل من شعاراته جسرا لعبور الخراب…..
ففي زمن اختلاط الأصوات، لا يكون أحسن الناس من كان أكثر ضجيجا وإزعاجا
بل من كان أقلهم ضررا وأكثرهم نفعا.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة”

إيّاك أن تفقد كنزك الخفيّ… “لذّة الطاعة” طاعة الله ليست حركات أو أفعال تُؤدّى، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *