حين يُستدعى التاريخ للطعن لا للفهم ….
وصلتني رسالة طويلة، لا تحمل سؤالا بقدر ما تحمل حُكما جاهزا؛ تبدأ من الطعن في النسب، وتمرّ عبر تأويل النصوص الدينية، ثم تنتهي إلى اتهام دولة كاملة بأنها أصل الفساد وسبب بلاء الأمة الإسلامية …
ومثل هذا الخطاب لا يستحق أن يُجاب بانفعال، لأن الانفعال يمنحه قيمة لا يملكها، بل يستحق أن يُقرأ بهدوء، لا دفاعا عن أشخاص، بل دفاعا عن العقل، وعن التاريخ، وعن حق الأمة في ألّا تُساق خلف كل سردية مشحونة تُلبس الغضب ثوب الغيرة على الدين !!
* أول ما يلفت في هذا النوع من الخطاب أنه لا يبدأ من الدليل، بل من الكراهية…
يقرر النتيجة أولا، ثم يفتش لها عن آية، وحديث، وحكاية، وكتاب، واسم، ونَسب، حتى يركّب منها بناءً ظاهرُه التدين وباطنه التحريض…
وهذه ليست طريقة الباحث، بل طريقة من يريد أن يجعل النصوص الدينية في خدمة غضبه، لا أن يجعل عقله خاضعا للحق….
– أما الطعن في الأنساب، فليس جديدا في تاريخ الخصومات السياسية….
فكلما عجز خصمٌ عن مواجهة الواقع، عاد إلى الحفر في الأصل، والاتهام في الدم، والتشكيك في الجذور…
وكأن الأمم تُقاس بالشائعات لا بالوثائق، وكأن التاريخ يُكتب بالمرويات المتأخرة لا بالمصادر المعتبرة….
– وآل سعود، كسائر البيوت العربية المعروفة في الجزيرة، لهم نسبهم في بيئتهم، وتاريخهم في أرضهم، وامتدادهم في نجد، وليس من العلم أن تُهدم أنساب القبائل والدول بنقول مجهولة أو قصص سياسية وُلدت في بيئات خصومة…
** ثم يأتي العبث الأخطر: إسقاط الأحاديث على الواقع السياسي كأن النص النبوي مساحة مفتوحة لكل حاقد يضع فيها خصمه.
– حديث “قرن الشيطان” وأمثاله لا يجوز تحويله إلى سلاحٍ يُشهر في وجه قوم بعينهم، ولا إلى ختمٍ ديني على خصومة سياسية.
النصوص الشرعية لها أهلها، ولها سياقاتها، ولها ضوابطها…
ومن أخطر ما أصاب الأمة أن بعض الناس لم يكتفوا بتسييس السياسة، بل سيّسوا النصوص، وجعلوا الحديث الشريف أداةً لإدانة من يكرهون، وتبرئة من يحبون….
والأعجب أن الخطاب يزعم الدفاع عن الإسلام، ثم يستبيح أخلاق الإسلام في الخصومة: تعميم، شتيمة، تخوين، طعن في الأعراض والأنساب، وتحريض على الفتنة….
فأي دينٍ هذا الذي يُراد نصرته بالكذب؟
وأي حقٍّ هذا الذي يحتاج إلى روايات لا أصل لها ولا قيمة علمية؟
إن الحق لا يخاف من التحقيق، ولا يحتاج إلى شتم وتخوين، ولا يتكئ على الغلوّ ليبدو قويا….
أما الحديث عن الإعلام والترفيه والسياسات الاجتماعية، فهذه ملفات يجوز نقدها، بل يجب نقد ما يستحق النقد منها، لكن النقد شيء، وتحويل كل خطأ أو تحول أو سياسة إلى “مؤامرة كونية؛ شيء آخر….
الدول تُخطئ وتُصيب، تُراجع وتتعثر، تتغير وتتطور، وليس من الإنصاف ولا من العقل أن تُختزل دولة بحجم المملكة العربية السعودية في قناة، أو حفلة، أو مهرجان او مسابقة، أو برنامج، أو صورة.
من أراد النقد فليكن نقده شريفا، محددا، عاقلا؛ أما من أراد الهدم فسيجمع كل شيء في كيس واحد، وسيخلط الأوراق ويُسمي ذلك دليلا… وسيظنّ – في حال التزمنا الصمت لنتأمّل عبثه ذاك أو رددنا عليه بأدب أو بهدوء – سيظنّ أنه أفحمنا وحشرنا في زاوية وأخرسنا !
الجزيرة العربية أو السعودية وما حولها ليست مجرد تفاصيل صغيرة هامشية في تاريخ المسلمين حتى تُتناول بهذه الخفّة…
– هي أرض الحرمين، وقبلة المسلمين، وبلدٌ قام من صحراء ممزقة إلى دولة مركزية كبرى، وحمل مسؤوليات دينية وسياسية واقتصادية لا يطيقها إلا من يفهم ثقل الجغرافيا وسطوة التاريخ…
ولا يعني هذا عصمةً لحاكم، ولا قداسةً لسياسة، ولا منعًا للنقد؛ لكنه يعني أن الإنصاف واجب، وأن العدل لا يسقط عند الخصومة….
ومن السهل أن يشتم الإنسان دولة كاملة بكل ما فيها ومن فيها، لكن الصعب أن يفهم كيف تُبنى الدول…
– من السهل أن يلعن قرنا كاملا، لكن الصعب أن يقرأ كيف انتقلت الجزيرة من التنازع والفوضى إلى الأمن والاستقرار.
– من السهل أن يرفع شعار الأمة، لكن الصعب أن يحفظ للأمة عقلها من الغلوّ والتعبئة والتدليس…
* ليس من الكرامة العربية أن نستورد خطابا يطعن في قلب الجزيرة العربية، ثم نصفق له لأنه يوافق غضبنا من مسألة أو قضية..
ولا من الفقه أن نُسلم عقولنا لكل من يضع آية في صدر مقاله ثم يملأ بقيته بالتحريض..
القرآن لم ينزل ليكون وقودًا للفتن، والسُنة لم تأتِ لتكون خرائط انتقام، والتاريخ لم يُكتب لكي يُنتقى منه ما يُشعل الأحقاد ويحبِس العقل…
” آل سعود” ليسوا فوق النقد، ولكنهم أيضا ليسوا ساحة مُستباحة لكل كاذب، ولا يجوز أن تتحول الخصومة السياسية معهم إلى سوقٍ للطعن في النسب والدين والتاريخ والشرف…
من أراد أن يناقشهم في السياسة فليفعل….
من أراد أن ينتقد التحولات فليكتب….
من أراد أن يُعارض قرارا أو نهجا فليعارضه…
أما أن تُختصر دولة الحرمين في “يهودية” و”قرن شيطان” و “مؤامرة ضد الإسلام”، فهذا ليس وعيا، بل انحدار في الخطاب، وإهانة للعقل قبل أن يكون إهانة للمملكة …
والحق أن الأمة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الكراهية، بل إلى ميزان…
لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها، بل إلى من يصون عقلها….
لا تحتاج إلى من يفتح أبواب الفتنة، بل إلى من يقول: اختلفوا، انتقدوا، راجعوا، لكن لا تكذبوا، لا تُحرّضوا، لا تفجُروا … ولا تجعلوا الدين مطية للخصومة…
الأمة الإسلامية لا تُحمى بالغلو، والدين لا يُنصر بالبهتان، والتاريخ لا يُفهم بالحقد. ومن أراد أن يتكلم باسم الإسلام، فليبدأ بأخلاق الإسلام:
العدل، والصدق، والتثبت، والإنصاف….
أما نحن، فسنظل نقولها بوضوح:
نحن لا نعتنق دين شتم آل سعود… أو غيرهم من عائلات الحُكم العربية ..
ننتقد حيث يجب النقد، وننصف حيث يجب الإنصاف، ولا نسمح لأحد أن يجعل كرامة العرب، ولا مكانة الحرمين، ولا تاريخ الجزيرة العربية، مادةً سائبة في سوق الشتائم السياسية….
فالحق لا يحتاج إلى تزوير، والدين لا يحتاج إلى غلو، والأمة لا تنهض بمن يحرّضها على ذاتها، بل بمن يردّها إلى عقلها… وكرامتها… وميزانها…
والله من وراء القصد ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة