ليس الموتُ ضدَّ الحياة كما نظن، بل هو أكثرُ حقائقها صدقا….
نحن لا نعيش لأن الموت بعيد، بل نعيش لأن الله أمهلنا بين ميلاد لم نختره، ورحيل لا نعرف موعده…..
وبين هاتين اللحظتين يمتحن الإنسان معنى وجوده:
هل كان مُجرّد رقمٍ في دفتر الأيام، أم أثرا صالحا يبقى بعد انطفاء الجسد؟
قال الله عزّ وجل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾…
آية قصيرة، لكنها تهدم كبرياء الأرض كله.
لا تستثني نبيا ولا ملكا ولا غنيا ولا فقيرا…..
كأنها تقول للإنسان: لا تبنِ غرورك على جسد مستعار، ولا تظن أن الطريق الطويل ملكك، فما أنت إلا مسافر أُعطي بعض الوقت، ثم يُستدعى.
الموت ليس فناء عند المؤمن، بل انتقال…
ليس سقوطا في العدم، بل خروج من دار الامتحان إلى دار الجزاء….
لهذا لا نراه كما يراه اليائس نهاية سوداء، ولا كما يراه العابث انطفاء بلا حساب…
نحن نؤمن أن بعد الموت قبرا، وسؤالا، وبعثا، وميزانا، وصراطا، وجنة ونارا.
وهذه العقيدة لا تُظلم بها الحياة، بل تُعاد بها الحياة إلى معناها.
فمن آمن بالآخرة، لم يحتقر الدنيا، لكنه لم يعبدها…..
يأكل، ويتعلّم، ويستمتع ويحب، ويعمل، ويبني، ويفرح، لكنه يعرف أن كل ذلك لا يصلح أن يكون إلها صغيرا في القلب.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أكثروا ذكر هادم اللذات”…
ولم يقل: اكرهوا الحياة….
بل أراد أن تُنزع من اللذات غطرستها، وأن يعرف الإنسان أن المتعة إذا لم تُهذبها النهاية، تحولت إلى طغيان.
ذكر الموت لا يصنع إنسانا حزينا بالضرورة، بل يصنع إنسانا مستيقظا.
يفرح، لكن بغير غرور…..
يحزن، لكن بغير انهيار….
يمتلك، لكن بغير عبودية…..
ويخاصم، لكنه يتذكر أن القبر أضيق من أن يحمل معه كل هذه الأحقاد.
كم من خصومة لو تذكر أصحابها الموت لخجلوا منها….
وكم من مال أُكل ظلما، لو تذكر صاحبه الكفن لارتجفت يده….
وكم من قلب قسا على قريب، أو جار، أو ضعيف، لأنه نسي أن الجسد الذي يتكبر به اليوم سيُغسل غدا بيد غيره…..
الغريب أن الإنسان يعرف أنه سيموت، لكنه يعيش كأنه استثناء….
يرى الجنائز، ويسمع النعي، ويمر بالمقابر، ثم يعود إلى خصوماته الصغيرة كأن الموت يخص الآخرين وحدهم.
ولهذا كان أبو الدرداء رضي الله عنه إذا رأى جنازة قال:
“اغدوا فإنا رائحون، وروحوا فإنا غادون.”
ما أبلغها من عبارة….. ليست فلسفة معقدة، لكنها تهز القلب: الذين نودعهم اليوم سبقونا فقط، ونحن في الطريق نفسه، لكننا نؤجل الاعتراف.
وفي ثقافات كثيرة أدرك الحكماء هذا المعنى، وإن لم يعرفوا كمال الوحي….
كان الرواقيون يقولون: تذكر أنك ستموت، لا لتكره الحياة، بل لتعرف قدرها…
وكان بعض فلاسفة الشرق يرى أن الإنسان لا يبلغ الحكمة حتى ينظر إلى زواله دون خداع…..
لكن الفرق بين حكمة البشر ونور الإسلام أن الإسلام لا يترك الإنسان أمام الموت وحيدا، بل يربطه بالله، وبالرحمة، وبالتوبة، وبالأمل.
فالموت في الإسلام ليس جدارا أصمّ، بل باب….. والباب مخيف لمن لم يستعد، ومُطمئِنٌ لمن أصلح ما بينه وبين الله.
قال تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
أي جمالٍ أعظم من أن يكون الرحيل رجوعا؟
ليست الكلمة: اذهبي…. بل: ارجعي….كأن الروح لم تكن في الدنيا إلا غريبة مؤقتة، فإذا صلحت عادت إلى أصل الطمأنينة….
لكن الخوف كل الخوف أن يأتي الموت والإنسان لم يفهم حياته بعد….
أن تنقضي الأعوام في الجري خلف ما لا يبقى، وأن يُنفق القلب في مطاردات لا تصلح أن ترافقه إلى قبره…..
أن يتقن الإنسان كل شيء إلا النجاة.
قال الحسن البصري رحمه الله:
“فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لبٍّ فرحا.”
ومعنى ذلك ليس تحريم الفرح، بل كشف الوهم….. فالدنيا جميلة حين تكون طريقا، وقاتلة حين تصير وطنا نهائيا….
جميلة حين تُزرع فيها أعمال الآخرة، ومخادعة حين تُحسب هي النهاية.
الموت يختصر الفلسفات كلها في سؤال واحد:
ماذا يبقى منك إذا أُخِذَ منك جسدك، ومالك، واسمك، وضجيج الناس حولك؟
يبقى عملك.
يبقى ما نويت.
يبقى ما سترت.
يبقى ما ظلمت.
يبقى ما سامحت.
يبقى أثر كلمة قلتها، ودمعة جبرتها، وحقٍّ رددته، وصلاة حفظتها، وصدقة نسيتها فحفظها الله لك.
وقد يموت الإنسان مرتين:
مرة حين تخرج روحه، ومرة حين لا يترك في الأرض إلا ثقلًا وخصوماتٍ وسيرة يتنفس الناس بعدها براحة.
وقد يعيش بعد موته مرتين:
مرة في رحمة الله إن صدق، ومرة في أثره الصالح إذا ترك خلفه علما، أو خيرا، أو قلبا دعا له بصدق.
ولهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: متى نموت؟ بل: على ماذا نموت؟
وماذا سيجد الموت فينا حين يأتي؟ هل سيجد قلبا يعرف طريق التوبة؟
أم قلبًا مؤجلا كل شيء؟
هل سيجد لسانا اعتاد الذكر؟ أم لسانا أكل أعراض الناس حتى آخر الطريق؟
هل سيجد يدا بنت، وأعطت، وجبرت؟ أم يدا ظلمت، وأخذت، وآذت؟
الموت ليس خبرا نقرؤه عن الآخرين…. إنه موعدنا الشخصي المؤجل.
وكل جنازة تمر بنا ليست حادثة خارجية، بل رسالة مكتوبة باسمنا، لكنها وصلت إلى غيرنا قبلنا.
العاقل لا يكره الموت لأنه يذكره، بل يكره أن يأتيه وهو غافل….
لا يطلبه، ولا يتمنى انقطاع العمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى الإنسان الموت لضرٍّ نزل به، لكنه يستعد له كما يستعد المسافر العاقل لطريق لا عودة منه.
والاستعداد للموت ليس أن نهجر الدنيا، بل أن نصلح علاقتنا بها….
أن نعمل كأننا نعيش طويلا، ونعبد الله كأننا نرحل قريبا.
أن نبني، لكن دون أن ننسى الآخرة.
أن نحب، لكن دون أن نؤلِّه المحبوبين.
أن ننجح، لكن دون أن نبيع أرواحنا للنجاح.
في النهاية، سيهدأ كل صخب….
ستسكت الأسماء.
ستنطفئ الشاشات.
ستبرد المعارك التي ظنناها مصيرية….
وسيبقى سؤال القبر أصدق من كل تصفيق الأرض….
هناك، لا تنفع البلاغة إن لم تكن صادقة.
ولا ينفع المنصب إن لم يكن عدلا.
ولا ينفع المال إلا ما خرج لله.
ولا ينفع العمر إلا ما صار طاعة أو أثرا صالحا أو توبة مقبولة.
اللهم لا تجعل ذكر الموت في قلوبنا يأسا، بل يقظة.
ولا تجعله قسوة على الحياة، بل بصيرة بها.
واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، ونحن على توحيد وسُنّةٍ وتوبةٍ وسترٍ منك ورحمة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة