واحدة من أقدم مشاكل البشر: أنهم يخلطون بين “الصوت الأعلى” و”الحقيقة” !

واحدة من أقدم مشاكل البشر:

أنهم يخلطون بين “الصوت الأعلى” و”الحقيقة” !

في كل زمن كان هناك من يجيد الإثارة أكثر من العلم ..

ومن يُتقن الصراخ أكثر من البُرهان ..

ومن يعرف كيف يخاطب الغضب الشعبي فيكسب الجماهير، حتى لو كان كلامه خليطا من الحق والظن والمبالغة…

حين مات طبيبٌ أثار الجدل بأسلوبه وأفكاره ونظرياته.. تحوّلت وفاته عند البعض مباشرة إلى قصة اغتيال ومؤامرة، لا لأن هناك دليلا حاسما…

بل لأن عقولا كثيرة أصبحت عاجزة عن تقبُّل فكرة أن الإنسان قد يموت ببساطة دون سيناريو هوليودي يليق بالشخصيات المثيرة للجدل !!

وهذه ليست مشكلة شخص بعينه… بل مشكلة عصر كامل يعيش على الإثارة.

فمنصات التواصل لا تكافئ الأكثر علما، بل تكافئ الأكثر قدرة على شد الانتباه.

ولهذا ينتشر كثيرا صاحب النكتة الساخرة، والشتيمة، والتلميحات الحادة، أسرع من الباحث الهادئ أو العالم المتزن.

قال الله تعالى:

﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن﴾

فالحق لا يُعرف بكثرة المتابعين ..

ولا بعدد المقاطع المنتشرة .. ولا بحجم التصفيق في التعليقات.

الإمام الشاطبي رحمه الله قال كلاما عظيما في هذه المسألة:

“الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.”

لكن الناس في زمن الانفعال الرقمي يفعلون العكس تماما…

يعرفون الرجال أولا، ثم يجعلون الحق تابعا لشعبيتهم.

ولهذا صار بعض الناس يصدق أي شخص يهاجم علماء الدين أو يسخر من المتدينين أو يشتم الحُكام، فقط لأنه يتكلم بلغة الغضب التي يحبها الجمهور ويميل إليها بعض من يُكوّمون فشلهم على شكل عراقيل في طرقات من وصلوا قبلهم ..

بينما يُتهم الهادئون بالخنوع أو التطبيل، لا لضعف حجتهم، بل لأنهم لا يقدمون مادة صاخبة تصلح للترفيه الجماهيري.

والحقيقة أن الشتيمة ليست شجاعة دائما… أحيانا تكون مجرد أداء جماهيري بهلواني مُربح….

كما أن الهدوء ليس خوفا دائما… بل قد يكون عقلا يرى ما لا يراه المُنفعلون…

ولذلك كان السلف يخافون من الفتن التي يختلط فيها الحق بالهوى،

ويكثر فيها “القائلون” ويقل فيها “العلماء”.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“يُعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال.”

فليس كل من أضحك الناس صادقا ..

ولا كل من خالف السلطة بطلا …

ولا كل من التزم الأدب والعلم جبانا أو مُرتزقة ..

أحيانا تكون الجماهير نفسها جزءا من المشكلة…

لأنها لا تبحث دائما عمّن يقول الحقيقة، بل عمّن يقولها بطريقة…

تُشبع غضبها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل المشكلة في أن نُحب الحياة الدنيا؟

هل المشكلة في أن نُحب الحياة الدنيا؟ قطعا لا ! المشكلة فيمن يُحبها بلا معنى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *