وَهُم لا يرونه إلا في قشرة اللحظة، في ومضة البداية، في تلك الرعشة السريعة التي ترافق اكتشافا جديدا، لا في المسار الطويل الذي يُغيّر الطبائع ويعيد صياغة الأرواح.
الحب عندهم موسِم، مثل ورود الربيع التي تُقطف لتُزيّن مجالس المزاج، ثم تذبل حين يتغير الطقس.
يرونه مشهدا لامعا يتدحرج من فيلم رومانسي، لا رحلة تصقل القلب كما تصقل الأيام الحديد، ولا معراجا يخرج منه الإنسان شيخا لتجربة ولو ظل في عمر الشباب !
لا يعلمون أن الحب ليس شرارة تشتعل، بل جمر يبقى ..
ليس اندفاعة فجائية، بل ثباتا يختبره المجداف في بحر لا يهدأ …
قال جبران:
“الحب لا يعطي إلا نفسه ولا يأخذ إلا من نفسه” …
فهو لا يتغذى على اللحظات العابرة، بل على عمق الإنسان حين يتكشف في فرحه وحزنه وضعفه وقوته.
الحب ارتحال، ليس من جسد إلى جسد، بل من قلب إلى قلب، ومن رؤية إلى رؤية…
هو ولادة جديدة كلما انكسر الشعور القديم، وبعث للحياة حين تظن النفس أنها انتهت.
هو تلك النار التي تلفح القلب حتى يظن أنه احترق، ثم ذلك النسيم البارد الذي يعيده سليما، جميلا، مؤمنا بأن ما احترق منه لم يكن يستحق البقاء…
الحب عندهم تابع للظروف ..
مرتبط بصفاء مزاجهم، موفق بتدليل الحياة لهم …
يدور في فلك حاجاتهم، لا في فلك نفوسهم….
فإذا تبدل الحال تبدل الحب، وكأنه سلعة تُنقل من رف إلى رف…
ولكن الحب الحقيقي صِبغة …
لون يسري في الدم كما يسري الإيمان في الروح..
محور تدور حوله الفصول كلها…
خلفية ثابتة لا تزحزحها العواصف…
وطن داخلي لا ينهار وإن سقطت المدن كلها…
هو طابع اللهفة حين تخبو، وصمت الوفاء حين تصرخ الأيام، وبصمة الوجود في غياب العالم كله.
الحب عندهم صناعة شوق
حرفة مد وجزر
لعبة إخفاء وإظهار
تكتيكات طفولية من خلفها قلب لم ينضج بعد…!!
وهم لا يعلمون أن الشوق السليم لا يُدعا ولا يُفبرك …
وأن القلب الذي يحب بصدق لا يحتاج إلى وسائل إيضاح …
كما قال المتنبي:
“إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه، وصدق ما يعتاده من توهُّمِ”
الحب سجية
ميزة لا تُصطنع
جريان طبيعي لا يُستدعى بالمكائد ولا يُستبقى بالمساومات…
هو ما يبقى بعد سقوط الأدوار، وبعد أن يملّ اللسان من تكرار الكلمات التي حفظها الناس عن ظهر قلب…
الحب الذي يليق بالإنسان هو الذي يبقى حين تنطفئ الزينة وتذبل المقدمات، حين تقف الحقيقة عارية بلا تجميل ولا تلوين.
هؤلاء لا يعرفون أن الحب ليس وهجا، بل صبرا…
ليس نغما، بل ملحمة….
ليس ملامسة يد، بل ملامسة روح…
ليس فرح لقاء، بل ثباتا في الانكسار….
ليس ترفا رومانسيا، بل عبادة قلبية، كما قال ابن القيم:
“القلب لا يفلح ولا يصلح ولا يسعد ولا ينجح إلا إذا كان الله محبوبه الأعظم”…
فكل حب صادق يمر عبر بوابة الصدق والإخلاص والرحمة، وإلا صار شهوة مُغلّفة أو فراغا يصنع ضوضاء…
الحب الحقيقي لا ينطفئ، لأنه لم يولد من لهو عابر، بل من حاجة الروح إلى من يراها، يفهمها، ويتنفس معها…
هو التزام قلب قبل أن يكون التزام جسد ..
عهد سري بين روحين ..
لا يكتبه القلم، بل تكتبه المواقف….
ماذا يعرفون عن الحب؟
إنهم يعرفون بداياته
ولا يعرفون شيئا عن مقامه الأبقى:
حين يصير للإنسان ظلّا ..
وللقلب وطنا، وللروح سراجا لا ينطفئ.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة