“لو عاد بي الزمن … لما أكثرتُ على ولدي في الدروس ولا أثقلتُ كاهله بالوصايا، بل كنت سأضع في يده بالونا صغيرا، وأتركه يتأمل سر هذا الكائن الخفيف الذي يرقص فوق الهواء”
كنت سأقول له من دون كلام:
إن الارتفاع لا يحتاج ثقلا ولا صخبا
بل قلبا خفيفا، لا تلتصق به الأحقاد
ولا ترهقه المنافسات الوهمية …
فالناس الذين يطيرون عاليا
هم الذين تَخلُّوا -بالعادة- عن حمل أنفسهم فوق أكتافهم.
وسيعرف ولدي من هذا البالون
أن الأشياء الجميلة لا تعيش طويلا
وأننا لسنا ملائكة على باب الخلود
وأن ما يُبهجنا قد ينفجر في لحظة !
لذلك عليه أن يُحب بلا تشبُّث
ويُمسك بلا استحواذ
ويفرح من غير خوف
ويحزن من غير انهيار. ..
وسيكتشف، وهو يحدق في البالون
أن الضغط الزائد يقتل حتى أجمل الأشياء
وأن العناق حين يشتدّ يصير خنقا
وأن القُرب إذا تجاوز حدوده؛ يُفسد القلوب !
لذلك عليه أن يمنح من يُحبهم مساحة من الهواء
كي يتنفسوا ولا يخنقهم بحرصه وعطشه واهتمامه.
كان سيفهم ولدي، قبل أن يكبر
أن الناس الذين ينفخون في صورهم
ويمدحون أنفسهم
ويُسرفون في التعظيم والمبالغة
يشبهون بالونا ينتفخ من الداخل
حتى يظهر لامعا
ثم ينفجر فجأة
لأن ما بدا قوة لم يكن إلا هواء مُعبّأ بالكذب ..!
كنتُ سأتركه يراقب الخيط الرفيع
الذي يربط البالون بيد صاحبه
كي يتعلم أن حياتنا كلها معلقة بخيط واحد
ضعيف
لكن من يمشي بثقة
لا يخاف هشاشته
ومن يعرف أن عمره قصير
يختار أن يرقص ويمرح بدل أن يرتجف ويترقّب.
نعم، لو رزقني الله هذا النُضج حين رزقني ولدي
لأحضرتُ له بالونا كل يوم بل من كل لون
كي يتعلم أن اختلاف الألوان نعمة
وأن جمال الوجود لا يكتمل بلون واحد
وان القلوب حين تُربى على قبول الآخر
تعيش مطمئنة
وتُحلق بعيدا
مثل بالون لا يحمل من هموم الدنيا شيئا
إلا ما يكفيه ليصعد.
كم نحتاج أن نتعلم من “بالون” مجرد بالون ..
ما عجزت عن تعليمه دروس الحياة كلها ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة