عن النساء اللواتي يتكئ الزمن على أكتافهن…

عن النساء اللواتي يفتحن أبواب النهار قبل أن يستيقظ الضوء
اللواتي يقفن في المطبخ وهُن ما زلن يُصلين في قلوبهن ويُرددن الأذكار والدعوات
اللواتي يمسحن عن وجه البيت آثار الليل
ويضعن على المائدة ما يُشبه الطمأنينة
ويُجهزن طفلا لا يدري أن نهاره بدأ على أكتاف أُمّه…
عن المرأة التي تُراجع الدرس، وتُسرح خصلة الشعر وتُدقق بالضفيرة
وتلتقط الفوضى قبل أن تصبح فوضى
وتحمل هَمَّ اليوم كله في صدرها وفوق أكتافها
والتي لن يكتب عنها أحد…
عن التي تُدير اقتصاد البيت بأصابع متعبة
وتُوازن بين ثمن الرغيف وثمن الدواء
وتُؤجل زيارة الطبيب لأن فاتورة الكهرباء أسبق …
وتُحول بقايا أمس إلى وجبة جديدة
وكأنها ساحرة تصنع ما لا تصنعه وزارات دول غارقة في الدين مُتخبطة بنقص الإيرادات .
عن قبلة تضعها على جبين طفل محموم
فتقيس حرارته بلا ميزان
وتُعطي قرار العلاج بلا شهادة
وتسهر الليل كله وهي تحاول أن تنتصر على الحمى
وكأنها جندية وحدها في معركة لا يرى بطولاتها فيها أحد.
عن التي تُصحح الإملاء، وتُسمّع آيات القرآن وتُناقش القصائد المُعقّدة بمُفرداتها ودلالاتها
وتجمع القدور، وتُرتب الأسرة، وتُلمّع الأرض
وتُخفي التعب خلف ابتسامة حقيقية
لأن التعب في عُرف الأمهات ليس عذرا بل قدرا.
*عن المرأة التي لا تطبخ لإنستغرام
ولا تشتري الثياب للفيسبوك
ولا تعرف طريق صالونات التجميل
لأن ما تبقى من المال يذهب إلى حذاء طفل أو دفتر أو دواء…
عن يد خشنة لم يمسّها كريم الترطيب
لأن نعومة اليد ليست أولوية أمام احتياجات البيت.
العالم يُصفق لمن يصرخ
للذين يصنعون ضجيجا حول أنفسهم
أما نمل البيوت فيعمل بصمت …
يجمع مؤونة السنة ولا يُسمع له صوت
ويظل أساس الحياة كلها
بينما يتصدر المشهد ضفادع كثيرة
لا تملك سوى النقيق….
عن سلال الغسيل الممتلئة
لأن الأم لا ترضى أن يخرج طفلها بثياب غير نظيفة
وعن المجلى المُكوّم بالأطباق والأكواب
لأنها ترفض أن يأكل أولادها ما يُطفئ الجوع فقط
وعن الألعاب المبعثرة والمُكعّبات الصغيرة
لأنها تُصر أن تبقى الطفولة في مكانها
لا في الصور المُصفحة.
عن الصوت المبحوح
والأعصاب التي تتآكل كل مساء
والظهر الذي يئن دون أن يشتكي
لأن هناك يوما جديدا ينتظرها
ولا أحد سيقوم مقامها إذا تعبت…
عن النساء اللواتي ينسين أعياد ميلادهن
ولا يُسافرن إلى المنتجعات
ولا يشترين عطورا باهظة
لأن حياتهن مشغولة بما هو أهم
والزمن كله يتكئ على أكتافهن…
أدري أن الكلمات لا تُعالج وجع الظهر
ولا تُعيد الرطوبة إلى يدين جففتهما مسؤوليات لا تنتهي
ولا تُمحو آثار السهر تحت عيون متعبة
وأدري أن كثيرات منكن لن يجدن وقتا لقراءة نصّ لكاتبة مثلي
لأن الحياة تُثقل الرُكَب …
لكن كتبت هذا لأجل الاعتراف
لأنكُن أساس العالم الذي يتظاهر بأنه لا يعرف فضلكن
لأنكُنّ الجيش الوحيد الذي يُطلب منه أن ينتصر كل يوم
ولا يُسمح له أن ينهزم حتى تستمر الحياة…
أنتن بطلات العالم الحقيقيات
اللواتي يُمسكن الأرض من أطرافها
كي لا تنهار …
سلاما لكُنّ سلاما وألف سلام ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

طارق

“لو عاد بي الزمن … لما أكثرتُ على ولدي في الدروس ولا أثقلتُ كاهله بالوصايا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *