أريد أن آخذك يا عزيزي القارئ إلى بيتك أنت…

لا أريد أن آخذكم إلى حكايات كُتّاب عباقرة لم يلتقطوا من صندوق الحلول حلّا لبردهم وخرابهم، ولا أريد أن أخترق عوالم سيرة أدباء شغلوا الدنيا بينما ضاقت عليهم بيوتهم….

أريد أن آخذك يا عزيزي القارئ إلى بيتك أنت…..

إلى تلك اللحظة الصغيرة التي تبدأ بكلمة عابرة، ثم تكبر لأن أحدكما أصرَّ أن يكون على حق، لا أن يكون قريبا….

مساء الخير أيها الإنسان المتزوج…

الحياة بين زوجين ليست صراع مبادئ، بل صراع مخاوف….

والمشكلة ليست في اختلاف الرؤى، بل في اختلاف الجراح التي نحملها ونحن نتكلم…..

الرجل غالبا يتكلم من منطقة الواجب….

يرى نفسه مسؤولًا عن البناء، عن الحماية، عن الإنجاز….

حين يتعب، لا يشتكي… بل يعمل أكثر….

وحين يُنتقد، يشعر أن كل ما بناه ينهار فوق رأسه….

هو لا يسمع دائما الكلمات… بل يسمع الاتهام بالفشل والتقصير…

والمرأة غالبا تتكلم من منطقة الاحتواء…. أو رُبما خشية البرد…

ترى نفسها مسؤولة عن الروح، عن الدفء، عن المعنى داخل الجدران.

حين تصرخ، فهي لا تريد هدم البيت… بل تريد أن تشعر أنها مرئية….

هي لا تعاتب على التفاصيل… بل على الشعور بأنها وحدها….

لكن حين يحتدم الخلاف، يحدث ما يسميه علماء النفس “العمى التعاطفي”…

حين لا يعود كل طرف يرى خوف الآخر، بل يرى فقط تهديدا لمكانته وقيمته…

فيتحول الحوار إلى معركة إثبات…. ويتحول البيت إلى ساحة دفاع…

هو يقول: أنا أفعل كل هذا من أجلكم….

وهي تقول: وأنا أحتاجك أنت، لا إنجازاتك…

هو يشعر أن تضحياته لا تُرى….

وهي تشعر أن قلبها لا يُسمع….

وكلاهما صادق.

وكلاهما مجروح…..

وكلاهما يريد من الآخر عناقا دافئا وكلمة طبطبة…

المأساة ليست في الاختلاف يا قوم ..

المأساة في الإصرار على أن يفهمني الآخر قبل أن أرحمه….

الزواج ليس مسابقة من الأكثر تضحية….

ولا محكمة لإثبات البراءة…

هو مساحة هشّة يعيش فيها شخصان يحمل كل منهما تاريخا من القلق، والطفولة، والخذلان، والطموح، والخوف من الفقد…

أحيانا يكون أعظم انتصار في الزواج هو أن تتنازل عن رغبتك في الانتصار….

أن تقول:

ربما أنا على حق… لكن هل يستحق هذا البيت أن أدفع ثمن هذا الحق؟

أحيانًا الرحمة أصدق من المنطق…

والسكوت الحنون أبلغ من ألف حجة….

أيها الزوج الكريم…

ليست الرجولة أن تُحكم القرار وحدك، بل أن تجعل من تحب تشعر بالأمان في حضورك، لا بالخوف من رأيك….

وأيتها الزوجة الغالية…

ليست القوة أن تكثري العتاب، بل أن تفتحي نافذة حوار بلا اتهام، وأن تري في صمته تعبا لا برودا….

خذوا الأمور على محمل حسن….

ليس لأن الآخر ملاك، بل لأن القلوب تتعب سريعا…

وما يُقال في لحظة غضب قد يترك ندبة تبقى سنوات….

حين يحتدم النقاش، اسأل نفسك:

ما الذي يخيف الحبيب حقًا؟

ما الذي يؤلمها بالفعل؟

ستكتشف أن خلف كل غضب، احتياجا غير مُعبَّر عنه…

وخلف كل قسوة، خوفا من الفقد…

البيوت لا تهدمها الخلافات الكبيرة فقط … بل يهدمها تراكم الرسائل الصغيرة غير المفهومة….

-نظرة سخرية ..

– صمت طويل….

– جملة قاسية قيلت في لحظة توتر….

– والقلوب تُكسر بالمنطق، نعم… لكنها تُجبر بالرحمة….

الرحمة أن ترى في شريكك إنسانا، لا خصما…

أن تتذكر أنكما في صف واحد، وفي خندق واحد حتى حين تختلفان….

أن تشعر أن الذي أمامك ليس مشروع تصحيح، بل روحٌ ائتمنك الله عليها….

الزواج ليس أن يفهم كلٌ منكما الآخر تمام الفهم …

بل أن يرحمه تمام الرحمة….

فإن ضاقت الرؤى، فلتتسع القلوب….

وإن اشتد الخلاف، فليسبق أحدكما بخطوة نحو اللين….

في نهاية العمر … لن تذكروا من انتصر في أي جدال …

ستذكرون فقط:

من احتوى دمعتكم حين خفتم..

ومن بقي حين اهتزَّ كل شيء….

مساؤكم سكينة ورحمة…

ولْيكن بيتكم موطنا، لا ساحة معركة…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس

رمضان لم يُشرع ليزيد أعباء الناس، ولا ليُحوّل البيوت إلى ساحات سباق في الطعام والضيافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *