لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن أثره يتجاوز حدود العبادة الخاصة للفرد، ليصبح فعلا اجتماعيًا له أثر بالغ في صناعة مجتمع أكثر تماسكًا وترابطًا، في ظل تسارع إيقاع الحياة وتآكل الروابط الإنسانية تحت سطوة المادة والاستهلاك والفردانية.
يتحول الصيام في رمضان من مجرد فريضة إلى فعل اجتماعي عن طريق توليفة من السلوكيات والممارسات التي تتكثف في الشهر الفضيل، إذ أن الجوع في تلك الفريضة يتحول إلى لغة مشتركة توحد القلوب قبل الأجساد، ويغدو ذلك الحرمان من الطعام والشراب طاقة اجتماعية تربط هذا النسيج في المجتمع الواحد.
في الصيام يظهر بُعد المساواة الإنسانية، فمن طلوع الفجر إلى غروب الشمس تتساوى بطون الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، كل منهم يمر بذات التجربة على مدار اليوم، ومن ثم يخلق الصيام مساحة مشتركة من المشاعر، تذكر الأغنياء بعوز المحتاجين.
من خلال الطاقة الروحية التي تنبعث من الصيام، لا تبقى تلك المشاعر المشتركة مجرد إحساس عابر، بل تترجم إلى واقع عملي من العطاء، وما ذلك إلا لتلك اليقظة التي يحدثها الصيام، فتجعل صاحبها أكثر استعدادًا للإنفاق على المحتاجين وسد احتياجاتهم، فتتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي وتصبح التجربة الذاتية مسؤولية اجتماعية.
وقد أجاد أمير الشعراء أحمد شوقي التحليق حول هذا المعنى بقوله عن الصيام: «حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع وخضوع، ظاهره المشقة، وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، حتى إذا جاع من تعود الشبع، وحرم المترف ألوان المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع».
نتيجة لهذه المساحة الإنسانية المشتركة يصبح الفقير وجهًا حاضرًا في الوعي الجمعي لا مجرد رقم في إحصائية تعداد السكان.
تتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي من خلال الاستعادة القوية لمركزية الأسرة، فتتحول مائدة الإفطار والسحور إلى لحظة يومية جامعة للشتات الذي يعتري الأسرة بسبب الانشغال في الأعمال والممارسات الحياتية المختلفة، بما يحقق الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، فكأنه محطة تستعيد فيها كثير من الأُسر أفرادها الشاردين.
وفي هذه الأجواء لا يكون طبق الأسرة مجرد كاسر للصيام، بل طقس اجتماعي يرمم ما تصدع في النفوس خلال العام، ويطوي تلك المسافات النفسية التي تنشأ بسبب تجاذبات الحياة وصخبها المستمر، فعلى المائدة يتبادلون الأحاديث، ويتشاركون الأدعية، ويعبر كل منهم عن شعوره، وتصبح النفوس أكثر دعة وأقل استعدادا للخلاف.
وفي تلك الأجواء الأسرية التي تدين للصيام بطقسها الفريد طيلة الشهر، تنفتح أمام الصغار الأبواب المبكرة لفهم معنى الانضباط والمسؤولية بالمشاركة في الصيام ولو لساعات محدودة، وتتحول الأسرة إلى حاضنة اجتماعية بمعنى الكلمة عندما تسهم في دعم وتحفيز أطفالها على الصيام الذي يمثل اختبارا هاما في ضبط النفس.
ويتحول الصيام من فريضة إلى فعل اجتماعي بتلك الآثار الجمة التي تمتد إلى السلوك الأخلاقي العام، فالصيام ترويض للنفس وكبح جماحها عن الغضب، وتعزيز قيمة ضبط اللسان والجوارح عن أذى الآخرين.
هذا السلوكيات الممتدة إلى السلوك الأخلاقي العام تنعكس على المناخ الاجتماعي ككل، فتنخفض حدة التوترات ويزداد الميل إلى التسامح والتغافل، في البيت أو في أماكن العمل أو في الحي، نعم لا يكون هذا التحول كاملًا ولا يأخذ صفة الاستمرارية، لكنه يصلح كمؤشر على إمكانية بناء سلوك اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل.
هذا التدريب اليومي على مدى شهر رمضان، يمنح المجتمع فرصة لإعادة تقييم الأنماط التفاعلية السائدة، وحين يكون الدافع الديني والأخلاقي متواجدًا، ينجح الأفراد في تهذيب سلوكياتهم، وتكون النتيجة النهائية بيئة اجتماعية مستقرة.
وأخيرًا، الصيام لا ينحصر أثره في حدود المجتمع الواحد، فهو يتحول من فريضة إلى فعل اجتماعي عابر للحدود، إذ يخلق حالة من التضامن بين الشعوب المسلمة في زمن التغريب والعولمة، عندما يستشعر كل منهم في بقاع الأرض أن أخاه في دولة أخرى أو قارة أخرى يشاركه ذات السلوك، ولذا نرى في هذا الشهر الفضيل تدفق المساعدات التي تتخطى الحواجز الجغرافية، وتكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بالتهنئة بمقدم هذا الشهر، يبعث بها الناس من كل حدب وصوب، ومن مختلف البقاع، لتعبر عن مفهوم أمة الجسد الواحد.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة