(لا أجد لحياتي معنى) ؟!!..

هناك سؤالٌ يتضخم بصمت داخل أرواح البشر اليوم، حتى عند أولئك الذين تبدو حياتهم مكتملة من الخارج:

ما معنى كل هذا؟

ما معنى أن يستيقظ الإنسان كل صباح ليكرر الأيام ذاتها، واللهاث ذاته، والفراغ ذاته؟!

ما معنى أن يملك المرء المال الكافي للسفر، والشراء، والترفيه، ثم ينام آخر الليل بقلبٍ بارد لا يشعر بشيء؟

ولهذا لم يعد غريبا أن تتحول عبارة: “لا أشعر أن لحياتي معنى”

إلى واحدة من أكثر العبارات تكرارا في العالم الحديث.

إنها ليست جملة عادية … بل وصف دقيق لعصر كامل.

عصرٌ نجح في تعليم الإنسان كيف يستهلك كل شيء… إلا روحه.

لقد صار الإنسان الحديث يعرف كيف يبدل هاتفه، وسيارته، ومدينته، وصورته، وملابسه، وحتى علاقاته…

لكنه لا يعرف كيف يرمم قلبه حين ينهار من الداخل.

ولهذا لم تعد الوفرة قادرة على إنقاذ البشر من الاكتئاب….

بل إن كثيرا من البلاد التي بلغت أعلى درجات الرفاهية المادية، أصبحت من أكثر البلاد امتلاء بالوحدة والانتحار والقلق الوجودي.

لأن المشكلة لم تكن يوما في نقص الأشياء… بل في غياب المعنى.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده… ولا بالرحلات وحدها… ولا بالمقاهي الفاخرة.

ولا بالشراء المستمر الذي يشبه محاولة سدّ فراغ الروح بأكياسٍ ممتلئة بالأشياء.

إن الروح – مهما أغرقتها بالمُتع – ستبقى جائعة إن لم تجد شيئا أكبر من الاستهلاك تعيش لأجله….

ولهذا كان أعظم ما يمنحه الدين للإنسان ليس مجرد الطمأنينة…

بل المعنى….

– أن تعرف لماذا جئت

– ولماذا تتألم

– ولماذا تُبتلى

– ولماذا تسعى

– ولماذا تتعلم

– ولماذا تعمل

– ولماذا تصبر

– ولماذا تموت…..

حين يفقد الإنسان هذه المعاني، يتحول العالم كله إلى صالة انتظار ضخمة…

يأكل فيها الناس، ويشترون، ويسافرون، ويضحكون أحيانا… لكن أرواحهم تموت ببطء.

ولهذا لم يكن أعظم وصفٍ يفتخر به الأنبياء هو المال أو المُلك أو النفوذ…

بل “العبودية لله”….

قال عيسى عليه السلام وهو طفل في المهد: ﴿إني عبد الله﴾.

وفي أعظم رحلة عرفتها البشرية قال الله عن نبيه محمد ﷺ:

﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾.

لأن الإنسان لا يرتفع حقيقةً إلا حين يعرف لمن ينتمي قلبه…

العبودية لله ليست إذلالا للإنسان كما يتصور البعض… بل تحريرٌ له من عبودية كل شيء آخر….

– تحريرٌ من عبودية الصورة

– ومن رأي الناس

– ومن الاستهلاك

– ومن المقارنات

– ومن الركض المحموم لإثبات الذات

= ولهذا ترى بعض الناس يملكون القليل جدا .. لكن أرواحهم مطمئنة بصورة تثير الدهشة….

وترى آخرين يملكون كل شيء… لكنهم يطاردون النوم بالأدوية، ويهربون من الصمت لأنهم يخافون مواجهة الفراغ داخلهم.

إن القلب لا يمتلئ حقًا إلا بالله….

وهذا لا يعني أن يتحول الإنسان إلى كائنٍ مُنسحِب من الحياة، يكره الدنيا أو يحتقر النجاح أو يترك العمل والسعي.

بل على العكس…

الإيمان الحقيقي لا يصنع إنسانا كسولا ولا فقير الإرادة ولا مُستسلمًا للفشل ثم يعلّق عجزه على شماعة “الرضا”.

فالله أمر بالسعي كما أمر بالتوكل….

ولهذا أقول للفقير:

لا تجعل حديث الزهد ذريعة للكسل.

اعمل…

واسعَ…

وتعلم…

وابنِ نفسك…

فالله يحب المؤمن القوي.

وأقول للغني:

ليس كل نجاحٍ نجاحا…

قد تمتلك بيتا فخما…

وتسافر كل صيف…

وتشتري كل ما تشتهيه…

ثم تكتشف بعد سنوات أنك كنت تملأ حياتك بالأشياء هربا من السؤال الحقيقي:

“لماذا أعيش؟”

فليست المشكلة أن تستمتع بما أحلّ الله… بل أن تتحول حياتك كلها إلى دائرة مغلقة من الاستهلاك والمتعة والهروب من الفراغ…

إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال… بل فقر المعنى…وحين يفقد الإنسان معنى حياته… لا تعود الدنيا – مهما اتسعت – قادرة على إنقاذه من نفسه.

ولهذا كان الصالحون، رغم قلة ما بأيديهم، يشعرون بثروة داخلية هائلة.

كان أحدهم يأكل كسرة خبز يابسة ثم يقول:

“لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.”

أي نعيم هذا؟!

إنه نعيم القلب حين يعرف طريقه.

حين يصبح للإنسان وجهة أعلى من السوق…

وأعلى من صورته أمام الناس…

وأعلى من عدد أو كَمّ ما يملك….

فالذي يعيش لله…

قد يتعب، نعم…

وقد يُبتلى…

وقد يمرّ عليه من الحزن ما يمرّ على سائر البشر…

لكنه لا يسقط سقوط الإنسان الذي فقد المعنى كله…. لأنه يعرف أن حياته ليست عبثا

وأن أيامه ليست بلا غاية….

وأن الله لا يترك قلبًا أقبل عليه صادقًا دون سكينة.

ولهذا…

كلما ضاقت بك الحياة، لا تسأل فقط:

كيف أهرب من ألمي؟

بل اسأل:

كيف أستعيد معنى وجودي؟

فهناك فرقٌ كبير بين إنسان يريد أن ينجو من الفراغ…

وإنسان وجد فعلا ما يستحق أن يعيش لأجله..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

رحلت أمي عن الدنيا..

رحلت أمي عن الدنيا قبل ساعات … أمّي “التي حملتني في رحمها وأنجبتني” التحقت بالرفيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *