ليست المشكلة في إيران كدولة تبحث عن نفوذ، فكل الدول تفعل ذلك، ولا في ثورة رفعت شعار التحرّر، فالشعارات تُرفع في كل العصور…
المشكلة في الكيفية التي يُصاغ بها النفوذ حين يُلبس لبوس العقيدة، فيتحول من سياسة قابلة للنقاش إلى “إيمان” لا يقبل المراجعة، ومن تنافس إقليمي إلى “طاعة دينية”، ومن حدود “جغرافيا” إلى “حدود ولاء”…
هنا بالضبط يصبح المشروع أخطر من أدواته، لأن الذي يواجهه لا يواجه دولة فحسب، بل يواجه سردية تدّعي أنها امتداد للغيب، وأن قراراتها ليست مصالح بل تكليف.
من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الخميني بوصفه قائد انقلاب سياسي على الشاه فقط، بل بوصفه مهندس التحويل الأكبر: تحويل الغيبة إلى سلطة، والانتظار إلى دولة، والمرجعية إلى جهاز حكم، والتشيُّع من ميراث طقوسي متشظّ إلى شبكة ولاءات عابرة للحدود…
لقد كان الخميني، قبل أن يكون زعيم ثورة، صاحب “مفتاح” نظري أحدث انقلابا في معنى الشرعية داخل المذهب نفسه: ولاية الفقيه.
والتشيُّع من ميراث شعائريّ طقوسيّ مُتشظٍّ إلى شبكة ولاءات عابرة للحدود…
ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر: كيف تحوّل خطاب ديني إلى مشروع توسعي، وكيف جرى الدمج بين نزعة قومية فارسية وفوقية شعوبية من جهة، وبين ادعاء قيادة شيعة العرب تحت مظلة ولاية الفقيه من جهة أخرى، بلا أن ينهار التناقض، بل بالعكس، صار التناقض وقودا للاختراق؟!
لم يستمد “الخميني” أهميته وشهرته من تفجير وقيادة الثورة الإيرانية فحسب، وإنما شق المسارات اللازمة لتصدير الثورة، عبر استحداث نظرية ولاية الفقيه.
وفقا لروايات الإمامية الإثني عشرية التي قامت على منهاجها الجمهورية الإيرانية، فإن الأئمة من لدن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونسله منصوص عليهم، ولا تخرج الإمامة عن هذا النسل. لكن وقعت الإشكالية التي هددت هذا الإطار العقدي بعدما جاء الإمام أبو الحسن العسكري المتوفى عام 260 هـ، والذي قيل إنه مات دون ولد ظاهر.
ومن هنا برزت أطروحات المرجعيات بالادعاء أن للحسن العسكري ولدا يُدعى محمد، قد دخل سرداب سامراء، وغاب الغيبة الصغرى سبعين عاما، اتصل خلالها بشيعته من خلال سفراء، ثم الغيبة الكبرى إلى اليوم، حيث ينتظرون خروجه باعتباره مهديهم المنتظر.
وفقا لعقيدة الإمامة، لا يجوز لهم الجهاد إلا تحت راية إمام معصوم، وهذا بدوره حجر عثرة أمام تصدير ثورة الخميني، حتى جاء هذا الأخير بنظرية ولاية الفقيه، والتي تعني نيابة أكثر فقهاء الطائفة علما عن الإمام الغائب المنتظر، والتصرف نيابة عنه. فكان الخميني قائد الثورة وفقيهها الأكبر هو الولي الفقيه صاحب السلطة المطلقة في البلاد.
النظرية قد استخرجها الخميني من بطون الكتب الشيعية القديمة فأحياها من جديد، على الرغم من أن المرويات التي حشدها لا ترقى إلى درجة الصحة بميزان النقد الحديثي عند الشيعة، وأنكرها كثير من علماء الشيعة، من بينهم آية الله شريعتمداري الذي منح الخميني درجة “آية الله”، ثم سجنه الأخير في بيته بعد الثورة حيث مات.
كانت هذه النظرية هي رأس حربة الخميني في مشروعه التوسُّعي، والذي جعل من خلاله، بموجب النظرية، المرجعية الشيعية العظمى في “قُم”.
ومن هنا اكتسب الخميني ولاءات شيعية عابرة للحدود والأوطان هددت أمن الدول العربية والإسلامية.
الصيغة والصبغة التحررية والإسلامية لثورة الخميني جعلتا كثيرا من المتابعين يؤيدونها باعتبارها نموذجا يُؤمل تعميمه، لكن سرعان ما تبين أنها لم تكن مجرد ثورة على حكم ديكتاتوري، بل مشروعا توسُّعيا يلتهم الدول العربية عن طريق الأذرع والحرب بالوكالة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
المشروع الإيراني ليس سوى مشروع قومي فارسي مُحمّل على رأس طائفي، يرتكز على التشيع لتحقيق أطماعه السياسية والعسكرية…
فعلى الرغم من أن إيران مدّت غطاء نظرية ولي الفقيه ليجمع الشيعة عربهم وعجمهم تحت رايتها، إلا أنها لم تستطع التحكم في نزعتها الشعوبية المبغضة للعرب وكل ما هو عربي.
يحكي المفكر السياسي الكويتي “عبد الله النفيسي”، خلال مقدمته الطويلة الماتعة لكتاب “المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية”، أنه التقى في طهران المرجع العراقي الشيعي “محمد باقر الحكيم”، وعبّر الأخير عن استيائه الشديد من اضطهاد الإيرانيين الفرس لشيعة العرب، وأسرّ إلى النفيسي بأنه يعتزم تعريب المرجعية وإبعاد الفرس عنها لدى عودته إلى العراق.
ويرى الدكتور النفيسي أن هذا التوجه لدى المرجع الشيعي العراقي هو ما أدى إلى اغتياله بعد عام واحد من هذا اللقاء.
وانطلاقا من النزعة الشعوبية، حرصت إيران على أن تكون المرجعية في النجف العراقية للسيستاني، الذي هو إيراني الجنسية، ولم تجعلها بيد آل الصدر أو آل الحكيم وغيرهما من العراقيين، تأكيدا على فارسية القرار المرجعي، بل وتعمل على تشجيع طلاب العلم من الشيعة العرب على استكمال دراساتهم الشرعية في قم وليس النجف.
في إقليم الأحواز العربي الذي احتلته إيران، ويعيش فيه عدد كبير من الشيعة العرب، ألغت إيران كل شكل من أشكال مؤسسات الحكم العربية الإدارية والقضائية والسياسية، وفرضت اللغة الفارسية على عرب الأحواز، وتقوم بعمليات تغيير ديموغرافي عن طريق نقل عشائر عربية إلى الشمال الإيراني وإحلال عائلات فارسية في الأحواز، وتحارب كل ما يمت للغة العربية بصلة، ولا تخفى أحكام الإعدام التي تنفذها بحق عرب الأحواز.
من الكتب التي تحتل مكانة رفيعة لدى الإيرانيين كتاب “الشاهنامه” الذي ألّفه “الفردوسي” منذ قرون، وهو أبرز منظري القومية الفارسية.
هذا الكتاب الذي يعشقه الإيرانيون يطفح بالفكر الشعوبي الفارسي الذي يحتقر العرب وينعتهم بأحط النعوت، ولم يجد الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد أفضل من هذا الكتاب ليهديه إلى البابا أثناء زيارته الفاتيكان.
وهناك قصيدة بعنوان “إله العرب” للشاعر الإيراني “مصطفى بادكوبه”، يقول فيها مخاطبا ربه: لا مانع أن تلقي بي في قاع جهنم، لكن لي شرط واحد، ألا أسمع هناك حرفا واحدا من اللغة العربية فيزيد عذابي عذابات.
هذا المزيج العجيب في المشروع الإيراني من النزعة الشعوبية وولاية الفقيه قد يبدو متناقضا، إذ إن الفوقية وبغض الجنس العربي يتعارضان مع استقطاب شيعة العرب تحت مظلة ولاية الفقيه، فكيف استطاعت إيران هذا الدمج.
لقد استخدمت إيران خطابا “ديماغوجيا” مع الجميع…
فمع السُنّة ضمّنت خطابها القضية الفلسطينية بكل ما لها من قيمة دينية وتاريخية عند السنة، وطرحت نفسها كزعيم لمحور الممانعة ومعاداة الصهيونية والإمبريالية الأميركية، فأكثرت من الضجيج والصراخ واعتبار أميركا هي الشيطان الأكبر، بينما كانت التفاهمات تجري من تحت الطاولة، ولعل أصداء فضيحة إيران غيت لا تزال مدوية إلى اليوم، ونعني بها صفقة السلاح السرية التي نفذتها أميركا مع إيران في حربها مع العراق.
وها هو الباحث الأميركي الإيراني المولد “تريتا بارسي” يقول في كتاب “التحالف الغادر”: احتل الإيرانيون موقع الصدارة في إلقاء الخطب الرنانة التي تتحدث عن القضية الفلسطينية، لكنهم نادرا ما التزموا بالمعايير التي وصفوها في تصريحاتهم.
وأما الشيعة العرب، فاعتمد الخطاب الإيراني على المظلومية الشيعية وتحميل السنة الموروث الكربلائي، حتى تُسوَّر شيعة العرب بعزلة شعورية عن المكون السني في البلد الواحد، والتمرد على عروبتهم مقابل الولاء للفرس الإيرانيين.
هذا الخطاب لا شك قد طغت آثاره على رؤية العرب لتلك النزعة الشعوبية لدى إيران، وتسليط الضوء عليها ومحاسبتها.
المشروع القومي الفارسي كان أكبر خديعة تعرض لها شيعة العرب، الذين اصطدم ولاؤهم العقدي بانتماءاتهم لأوطانهم.
ومن ثم نحتاج إلى صياغة منهجية لإنقاذ شيعة العرب من هيمنة ولاية الفقيه، وبداية ذلك أن نفرق بين الشيعة والخمينية، وتعزيز قيم المواطنة لدى الشيعة في البلدان العربية، وتوعيتهم بماهية وأبعاد ومخاطر المشروع الإيراني، إضافة إلى تبنّي خطاب هادئ متّزن متحضّر معهم بعيدا عن الخطاب الطائفي العدائي.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة